في فورة الهياج الجامح، بعد الإعلان عن اختراع جهاز يشفي من التهاب الكبد الوبائي "سي"، ونقص المناعة المكتسب "الإيدز"، شن من يسمون أنفسهم بالخبراء الاستراتيجيين، ومعهم سياسيون وإعلاميون، حربًا ضروسًا على المتشككين في النتائج التي يقال إنها علمية حاسمة، ومورست حرب تخوين، حتى أصبحت تهمة الانتماء إلى جماعة الإخوان، تتنطع في الأزقة القذرة، كغانية عجوز غادرتها الملاحة، وجفف الزمن جمالها، فصارت "ترمي بلاها" على علماء ومفكرين ورجال دولة، دون أن تستثني أحدًا.
دائرة الاتهامات أخذت تضيق حول عنق الدكتور عصام حجي المستشار العلمي للرئيس، والمفكر الكبير الدكتور أشرف بيومي، وكذا الدكتور محمد عبدالوهاب مدير مركز زراعة الكبد بمستشفى الجهاز الهضمي والكبد بالمنصورة، ذلك أنهم انتقدوا أمرًا علميًا، ليس إلا، واختلط الحابل بالنابل، والزيت بالماء، فغدا الرأي خيانة، والتفكير عمالة.
الهائجون شحذوا أظافرهم وأنيابهم، واستلوا السيوف والسكاكين، لتمزيق كل من سوّلت له نفسه "الخبيثة" أن تطرح السؤال عن المنهج العلمي الذي اقتفاه البحث الخاص باختراع الجهاز، وصرخ المتشنجون: صهٍ وثكلتك أمك وقبّحك الله، أما تعرف أن هذه أسرار أمن قومي؟.. وفي الخلفية صدحت موسيقى "تسلم الأيادي"، ذلك أن مخترع الجهاز، لواء قوات مسلحة، وطالما أن الاختراع "ميري" فليذهب العلم إلى الجحيم، وعلى كل متسائل أن يلم لسانه ويغلق فمه ويضع عقله في الثلاجة، لأن السؤال هنا يعني مساعدة الجماعات الإرهابية الملعونة، التي تريد الخراب وتنفذ أجندات أجنبية، لهدم آخر جيش وطني متماسك في المنطقة.
اجتزاء أحمق للأشياء، أدى إلى تقديم صحن كبير من "الكُشري" إلى المتلقي، الذي تعب وضجر وكفر بكل شيء، وصار لا يعرف من العدو ومن الصديق؟ في "الفوضى الهدامة" التي نعيشها بامتياز.
وبعيدًا عن مدى مصداقية أو تهافت الاختراع، وكذلك بغض النظر عن العبارة الصادمة التي أطلقها اللواء مبتكره، من أن آلية العلاج ستؤدي إلى تحول الفيروسات، إلى مواد أشبه بالبروتين، فيكون المريض قد حصل على "أصبع من الكفتة"، وبمنأى عن سخرية "عيال فيسبوك"، وتساؤلاتهم عما إذا كانت الكفتة من لحم الضأن أم البتلو، يبقى الأمر برمته محض كلام علمي، لا يمكن قبوله بغير دليل مادي ملموس، وهذي قاعدة موضوعية لا أحسب أن القوات المسلحة ترفضها.
والمؤسف حقًا أن المزايدين، وضعوا أصابعهم في آذانهم لتجنب أي رأي يخالفهم، فانهالوا على المستشار العلمي للرئيس، جلدًا وسحلا وتقطيعًا، إلى درجة أن طرحوا أسئلة ليست بريئة الصياغة والنبرة، حول المرامي الخبيثة وراء كلامه، وهو في الولايات المتحدة الأمريكية، كما عايره آخرون بأن القوات المسلحة ساعدته في بداياته العلمية، فرد على الإحسان بإساءة، مما ينتزع الأمور من السياقات الموضوعية، ويؤسس لثقافة سمع وطاعة تُمنهج "الخرفنة" التي وصمت سلوك أعضاء جماعة الإخوان، في انسياقهم قطيعًا وراء مرشدهم، لكن "الخرفنة" هذه المرة تحت شعارات الوطنية والحرب على الإرهاب وما إلى ذلك من "أكليشيات" صارت تتردد بكرة وعشيا.
واستكمالا للعبث، وإمعانا في الخيبة الثقيلة، ظهر خبير ما، فوصم الدكتور حجي بتهمة لا تقلق خطورة عن أنه إخواني، وهي أنه من خلايا الدكتور البرادعي النائمة في الحكومة، وهؤلاء عملاء وخونة ينخرون في جدران الوطن كما النمل الأبيض، ووجدت مقدمة برنامج، ضالتها في "تغريدة" للبرادعي على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" استنكر فيها –قبل بضعة أشهر بالمناسبة- طرح دواء لعلاج الالتهاب الكبدي سعره ثمانون ألف دولار أمريكي، متسائلا عما إذا كانت الاعتبارات الإنسانية تلاشت أمام اقتصاديات الرأسمالية، فأخذت الإعلامية المحتقنة تمارس دور الادعاء العام والقضاء معًا، حتى انتهت إلى حكم بأن كلام البرادعي كان ظاهره الرحمة وباطنه الشر، حيث اقترف مع سبق الإصرار جريمة الترويج للعقار الأمريكي، ليس هذا فحسب، وإنما كان يحاول أيضًا وضع حجر عثرة أمام البحث العلمي المصري، الذي كان يعلم بعضا من تفاصيله!
كل هذا اللغط الغبي تحقيقًا.. وكل هذه الضجة والقرع الأجوف على الطبول، ونحن إزاء قضية علمية، صلب موضوعها أن فريقًا علميا يرفضها، وفريقًا آخر يؤيدها، ووسط اللغط والضجة والقرع، يتألم نحو 12 مليون مريض مصري، وهم يرفعون أكف الضراعة إلى السماء: اللهم اشفِنا وارحمنا.. وهؤلاء ترفض عقولهم الباطنة، تصديق أن ثمة مبالغة ما بشأن الاختراع الذي يتعلقون بقشته حتى تنتشلهم من عواصف الوجع التي تنهش أكبادهم.. فماذا لو أثبت بحث علمي آخر أكثر تدقيقًا ومنهجية أن النتائج غير دقيقة؟
وأين صوت العقل والمنطق والعلم في المعركة التي أصبحت تقاس بها الوطنية وهي ليست من الوطنية في شيء؟
