أوكرانيا دولة سوفييتية سابقة، باتت دولة مستقلة بفعل تفككك الاتحاد السوفييتى، هى دولة منقسمة جغرافيا وثقافيا ولغويا، وهناك من يضيف طائفيا وعرقيا، هناك الشطر الشرقى والجنوبى من أوكرانيا يتحدث الروسية، ويتبع المذهب الأرثوذكسى، وتنحدر غالبية السكان فيه من القومية السلافية التى تجمعه مع الروس والصرب، وهناك الشطر الغربى الذى يتحدث الأوكرانية وتتبع غالبيته المذهبين الكاثوليكى والبروتستانتى، وتنحدر غالبية قاطنيه من الأصول غير السلافية. فى عهد الاتحاد السوفييتى السابق لم تكن هناك مشكلات كبرى بين الشطرين الشرقى والغربى، تعايش الجميع، وعلى نحو لم يكن يخلو من عوامل قسرية، دون مشكلات كبيرة، وكانت قوة الاتحاد السوفييتى كافية لمنع التدخل الخارجى فى الشأن الأوكرانى الداخلى، ورغم محاولات أجهزة الاستخبارات الغربية استثمار الانقسامات من أولية وثانوية، فإن موسكو نجحت على الدوام فى مواجهة هذه المحاولات، وحالت دون نجاح الغرب فى توظيف عوامل الانقسام.
تفكك الاتحاد السوفييتى السابق فى عام ١٩٩١، وحلت محله خمس عشرة دولة، منها أوكرانيا، وكانت الأخيرة من أكثر دول الاتحاد ارتباطًا بموسكو، بل زاد عتمادها عليها فى الحصول على احتياجاتها، لا سيما من الطاقة، كما يوجد الأسطول السوفييتى فى منطقة القرم، وحددت موسكو عددًا من جمهوريات الاتحاد السوفييتى السابق، باعتبارها خطًّا أحمر لا تقبل بالابتعاد عنها أو ترضى بتدخل غربى فى شؤونها، كما حددتها كخطوط حمراء لحلف شمالى الأطلنطى لا ينبغى له الاقتراب منها أو التفكير فى ضمها لعضوية الحلف.
فى المقابل يبدو أن واشنطن وحلف الشمال الأطلنطى وبعد أن جذبا الكثير من جمهوريات الاتحاد السوفييتى إلى عضوية الاتحاد الأوروبى والحلف، تعاملا مع أوكرانيا باعتبارها الجائزة الكبرى التى ينبغى الفوز بها لحرمان روسيا من حليف استراتيجى مهم. بدأت الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة فى اللعب على الانقسام الداخلى وعملت على تفجير التناقضات الداخلية، تحدثوا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، دفعوا بمئات المنظمات العاملة فى مجال حقوق الإنسان للعمل فى أوكرانيا، قدموا ملايين الدولارات لشخصيات أوكرانية لتأسيس جمعيات ومنظمات حقوقية تعمل فى مجال الرعاية الاجتماعية وحقوق الإنسان، تحدثوا عن «ربيع أوكرانيا» ووضعوا بذور ما سموها «الثورة البرتقالية». نجحوا فى دفع البلاد إلى حافة الانقسام، بل والاحتراب، دخل الاتحاد الأوروبى على الخط كمقدمة للحلف وقدم لأوكرانيا اتفاقية للشراكة والتعاون، وهى بمثابة الطُّعم الأول لجذب الدولة نحو الغرب، فالشراكة تقتضى تلبية معايير الاتحاد فى مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان، الأداء الاقتصادى ومعايير الشفافية، ثم يأتى شرط السيطرة المدنية على القوات المسلحة، تبنّى عقيدة عسكرية غربية والتحول فى التسلح من الشرق إلى الغرب. غذوا الخلافات ولعبوا على التناقضات، تصوروا أنهم نجحوا فى تقليص النفوذ الروسى ووجدوا من يتعاون من الأحزاب والقوى السياسية لا سيما من الشطر الغربى، وتصوروا أنهم سيطروا على هذه الدولة وأخضعوها لهم مع توقيع اتفاق الشراكة، هنا تدخلت موسكو بقوة وقدمت حزمة ضخمة من المساعدات المتنوعة، فرفض البرلمان الأوكرانى التصديق على الاتفاقية، هنا ثارت ثائرة الاتحاد الأوروبى وواشنطن، وبدأت عملية تحطيم النظام السياسى الأوكرانى، وعندما بدا واضحا الدعم الروسى لأوكرانيا ومحاولة الحفاظ على هذه الدولة السوفييتية السابقة بعيدة عن الهيمنة الغربية، بدأت واشنطن مخطط تقسيم أوكرانيا وفق خطوط الانقسام الأولية من عِرق ولغة وطائفة، ومن خطوط انقسام ثانوية (السياسية بالأساس) فقد عزل البرلمان الرئيس المنتمى إلى الشطر الشرقى، فغادر العاصمة إلى مسقط رأسه واستعد ساسة الشطر الغربى للسيطرة على العاصمة بطرق مختلفة، وبدعم مباشر من الاتحاد الأوروبى وواشنطن، وهكذا يتجه الغرب إلى تحطيم وتفتيت أوكرانيا بعد أن فشل فى السيطرة عليها وسلخها عن روسيا، وما يجرى فى أوكرانيا ينبغى أن يكون درسًا للجميع فى عالمنا العربى، ولنعرف أن وراء الشعارات البراقة الخاصة بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، مخططاتٍ سياسيةً شاملةً، وأن لتعطيل مخطط الغرب ثمنًا باهظًا قد يصل إلى تحويل الدولة إلى فوضى أو تحطيمها وتقسيمها على النحو الذى يجرى فى أوكرانيا اليوم، وليتدبر كل مَن له عقل فى ما فعل المصريون، وكيف تصدوا للمخطط الغربى، وحافظوا على وحدة بلدهم وواجهوا كل مخططات إثارة الفوضى ومشروعات التقسيم.
