من وزارة الجنزورى إلى قنديل إلى الببلاوى، ومع التغييرات الجذرية فى نظام الحكم، من مجلس عسكرى إلى إخوانى إلى حُكم هلامى ليس له طعم ولا لون ولا رائحة، سوى أنه يتيح الفرصة لعدد من الاستراتيجيين الذين يطلون علينا أرضيا وفضائيا، ويدلون بدلوهم فى كل شىء، ثم تكتشف أنهم لم يقولوا أى شىء.
يحدث كل ذلك والرجل دائما فى وضع استعداد لتوفيق أوضاعه مع كل العهود، فهو من إيدك دى لإيدك دى، أشّر بس يا جميل. أحدثكم عن صابر عرب الذى أصبح مثل «مخيمر» فى الفيلم الكوميدى الشهير، الذى لعب بطولته قبل أكثر من 30 عاما سعيد صالح «جاهز دايما».
نحن الآن بصدد وزارة محلب، أى خامس وزارة منذ ثورة 25 يناير بعد استبعاد وزارة شفيق -الذى عينه المخلوع- ولا يزال صابر يسعى للاحتفاظ بالكرسى، وأول شروط الحصول عليه أن تعلن للقاصى والدانى أنك ملّيت ولا تريد مزيدا، وهو ما نجح عرب فى تصديره للرأى العام عن طريق المثقفين لعلاقته الوطيدة بعدد منهم.
الدولة فى علاقتها بالمثقفين تسعى لتسكين الأوضاع، وأن تبعد عنها دوشتهم، ولهذا تسأل بين الحين والآخر هل الوضع هادئ؟ الإجابة نعم، بالقياس إلى ما يجرى فى الوزارات المجاورة فهو «ميت فُل وعشرة». هل الرجل نجح فى إرضاء المثقفين؟ أقصد تحديدا أصحاب الصوت العالى، فى الحقيقة نعم، منح بعضهم امتيازات، وتأتى الإجابة: إذن على بركة الله ويتم التجديد له.
هل تتذكرون ما حدث فى وزارة الببلاوى؟ راجعوا الأرشيف قبل سبعة أشهر ستجدون الببلاوى فى صورة نشرتها كل الجرائد والمواقع الإلكترونية مع عازفة الفلوت العالمية ورئيسة دار الأوبرا إيناس عبد الدايم، وهى فى طريقها لكى تُمسك حقيبة الثقافة، وفجأة يعترض حزب «النور» السلفى، لأنها لا مؤاخذة امرأة، ولا مؤاخذة سافرة، ولا مؤاخذة عازفة، ولا مؤاخذة فلوت، وهى لهذا مرفوضة بالثلاثة، وعلى الفور تم استبعاد إيناس وبحثوا فى «الديب فريزر» عن أى حاجة متوفرة، فيجدونه قابعا فى الركن البعيد الهادئ، يسألونه هل تُمسك الحقيبة؟ فيقول: من أجل مصر «أنا جاااااااى».
هل النظرة للثقافة تغيرت فى الدولة؟ وهل وزارة محلب بالفعل تحمل شيئا مختلفا؟ هل تتذكرون الأم التى وجدت أبناءها يتضورون جوعا وليس لديها ما تقدمه لهم، فوضعت إناء من الماء على النار وليس عندها زاد ولا زُواد؟ ولكن مجرد أن الماء يغلى أشعرهم بالأمل فى القادم. مصر تعيش تلك اللحظة، راجعوا عدد المظاهرات والوقفات الاحتجاجية هنا وهناك، التى شملت عديدا من قطاعات المجتمع كلها تطالب بالإنصاف، والكل يدرك أننا لا نملك فى الخزائن الخاوية ما يؤهل الدولة لتنفيذ شىء من هذه المطالب. لقد تحمل الببلاوى الغضب، وبالتأكيد وبعد أن يفيض الغضب بالناس سيبحثون عن تفريغ الشحنة فى آخر، وهو بالتأكيد ليس المستشار عدلى منصور الرئيس المؤقت، هل رأيتم فى الدنيا مظاهرة لإسقاط رئيس مؤقت؟! أظن أن الأمن القومى أدرك ذلك، لأننا فى توقيت حساس وعلى شفا انتخابات، وتعدد الإضرابات سيجعل من المستحيل إقامة انتخابات رئاسية تحظى برضاء وطنى وعالمى، فكان لا بد من امتصاص الغضب بزرع الأمل بتغيير الواجهة، وبدلا من أن تصب اللعنات على الببلاوى سيحصل محلب على نصيب وافر منها.
الوزارة بحكم الدستور تقدمت باستقالتها، ولكن أيضا من الناحية القانونية لا يعنى أنهم مستبعدون من التشكيل الوزارى الجديد، ممكن العودة إلى عدد من الأسماء مجددا.
كثيرا ما كتبت ضد ممارسات صابر عرب، ولكنه أجاد ملاعبة عدد كبير من المثقفين، وعرف كيف يمنحهم شيئا، ولهذا بعد أن أصدر عدد منهم بيانا ووقعوا عليه رافضين التجديد له وزيرا فى وزارة الببلاوى، نفذ مطالبهم فتراجعوا وتغاضوا عن المبدأ.
صابر يُمسك مفاتيحهم وهو أدرى بشعابهم وصراعاتهم، التى تأخذ فى العادة إطارا عاما، ثم تكتشف أنها من الممكن تلخيصها فى مكسب شخصى.
لو أرادت الدولة رجلا يضمن لها السيطرة على المثقفين سيكسب صابر عرب بلا جدال، ويدخل الموسوعة كأول وزير يعاصر أربع وزارات، أما لو أرادت انعاش حال الثقافة وليس إرضاء أصحاب الصوت العالى فعليها بالفعل البحث عن وزير ثقافة بعيدا عن «الديب فريزر»!!
