تسعى دول المعسكر الغربى المنتصر فى الحرب الباردة إلى تغيير مفهوم سيادة الدولة، ذلك المفهوم القديم الذى حكم العلاقات الدولية منذ معاهدة «وستفاليا» التى أنهت حروب الثلاثين عاما الدينية عام 1648، فقد هدف واضعو المعاهدة إلى الموازنة بين دول مستقلة ومتساوية، انطلاقا من أن محصّلة مبدأ المساواة ستكون سلاما دائما واستقرارا راسخا. نفس الأمر أكدته معاهدة «فيينا» التى أنهت الحروب النابليونية عام 1815. وانطلاقا من ذلك جاءت فكرة وضع الدول معا فى منظمات دولية على النحو الذى بلورته معاهدة «فرساى» عقب الحرب العالمية الأولى عام 1919، وذلك بإنشاء عصبة الأمم. وأخيرا جاء إنشاء الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945، ليمثّل خطوة إضافية فى هذا السياق، وذلك عبر وضع نموذج لاستخدام القوة من جانب سلطة فوق قومية.
وفى أعقاب انتهاء الحرب الباردة بدأت تسود الكتابات القانونية والسياسية الدولية نزعة تؤكّد على ضرورة تعديل مفهوم سيادة الدولة، للتخلص مما أسموه «القيود» التى يفرضها مفهوم السيادة على «قدرة المجتمع الدولى» على التدخل لاعتبارات إنسانية. وأيضا الدعوة إلى مفهوم جديد ينطلق من فكرة «المحاسبية»، وذلك بعد أن غدت حقوق الإنسان جزءا من المسؤولية الدولية فى عالم لم تعد فيه التهديدات الأساسية للسلم والأمن الدوليين تأتى من النزاعات بين الدول، بقدر ما باتت تنبع من النزاعات داخل الدول.
باختصار بات مطلوبا إدخال تعديلات على مفهوم «السيادة» كى يفسح المجال للمجتمع الدولى للقيام بكل ما هو ضرورى فى مواجهة النزاعات الداخلية التى ينظر إليها على أنها تمثّل تهديدا للسلم والأمن الدوليين، أو تمثّل انتهاكا واسعا لحقوق الإنسان.
فى المقابل، ترى دول العالم الثالث والدول التى لم تتكيّف بعدُ مع الأجندة الغربية لعالم ما بعد الحرب الباردة أن سيادتها بالمعنى الذى يراه الغرب تقليديا باتت تمثّل خط الدفاع الأخير فى مواجهة محاولات الاختراق الخارجى والتطويع للتكييف القسرى مع تلك الأجندة. وقد عبّر عن ذلك بوضوح الرئيس الجزائرى عبد العزيز بوتفليقة عندما انتقد دعوة الأمين العام للأمم المتحدة كوفى عنان من أجل تعديل مفهوم السيادة بمعناه التقليدى بالقول «..إن سيادة الدولة هى خط دفاعها الأخير فى مواجهة قواعد عالم غير متوازن»، وتساءل بوتفليقة «..متى تتوقّف المساعدة ويبدأ التدخل؟».
بات واضحا من الجدل الدائر حول قضية التدخل الدولى أنها قضية معقّدة للغاية، والسياسى فيها يفوق الإنسانى بكثير مهما كانت الشعارات المرفوعة، فالمؤكد أن التدخل يظلّ رهنا بإرادة الدول الكبرى، كما أنه يخضع أيضا لحساباتها فيحدث التدخل فى تيمور الشرقية ولا يحدث فى رواندا. أيضا فإن التدخل عادة ما يجرى فى مراحل متأخرة من تفجّر الصراع، ومن ثمّ ينصرف إلى إدارة الصراع بدلا من العمل المبكر على منعه، وكل ذلك يجرى وفق حسابات القوى الكبرى وتفضيلاتها. وربما كان هذا المعنى وراء دعوة الأمين العام للأمم المتحدة كوفى عنان إلى ضرورة عدم قصر التدخل على استخدام القوة أو فرض العقوبات، فهو يتضمّن أيضا تقديم المساعدات الإنسانية.
ومما يزيد من تعقيد الجدل الدائر حول مفهوم التدخل أنه أفرز مجموعة من السياسات التى اتخذت كمقدّمة للتدخل أو محصّلة له، وتبرز هنا دبلوماسية الحصار، وهى دبلوماسية عادة ما تدفع الشعوب عبرها فواتير قرارات أنظمة للحكم لا تصل إليها العقوبة المطلوبة رغم أنها المستهدَفة نظريا بذلك.
والواقع أنه رغم محاولات «تجميل» وجه مفهوم التدخل، عبر تقديمه تحت مسميات برّاقة يصعب الاعتراض عليها ولو من الناحية الشكلية بحكم احتوائها ظاهريا على شعارات إنسانية، فإن الممارسات الواقعية كانت كفيلة بإجهاض هذه المحاولات، وترسيخ الصورة السلبية المحيطة بالمفهوم، وأيضا تأكيد سلامة التحفظات التى أطلقتها الدول الصغيرة والمتوسطة فى النظام الدولى، وتحديدا تلك التى ترفض التكيّف مع الأجندة الأمريكية. وبدا واضحا أن التدخل لا يعدو أن يكون أحدث الأدوات الغربية فى التعامل مع الدول الصغيرة والمتوسطة، وتبدأ بمحاولة طمس مفهوم السيادة النابع من الإقرار بالمساواة القانونية بين الدول صغيرها وكبيرها، وتحصّن الدول الصغيرة والمتوسطة فى مواجهة محاولات الاختراق من جانب القوى الكبرى فى النظام.
