إن الاستقلال الوطنى ليس مجرد مطلب من مطالب الثورة المصرية فى قمتها الثانية فى 30 يونيو، كما يفهم البعض وكما يطرح الكثير من المثقفين وأصحاب الرأى، بل هو يعتبر الشرط الحاكم لنجاح أى ثورة فى مصر تستهدف تغييرا جذريا وحقيقيا للسياسات القائمة على التبعية للخارج، لمن لا يريدون لنا الخير.
فذلك الشعار كان ولايزال هو القاسم المشترك لجميع ثورات المصريين فى عهدنا الحديث.
فالدولة المصرية الحديثة تأسست على يد محمد على مع بداية القرن التاسع عشر، ثم جاءت جميع ثورات المصريين التالية رافعة لراية الاستقلال، بدءاً من الثورة العرابية، التى أعلنت شعارها «مصر للمصريين»، وكان الهدف الأسمى فيها هو العمل على إجلاء النفوذ الأوروبى، الإنجليزى والفرنسى، ثم جاءت بعدها ثورة 1919 رافعة شعار «الاستقلال التام أو الموت الزؤام»، ممهدة لعصر الدولة الليبرالية، والتى اعتبرت فى خطابها السياسى أن التفريط فى القضية الوطنية والاستقلال تفريط فى الديمقراطية، وهى القوام الرئيسى للفكر الليبرالى. أما تحرك الجيش المصرى لتغيير الأوضاع الفاسدة فى ذلك الوقت، فى 23 يوليو 1952، فلم يتحول إلى ثورة مصرية حقيقية بالمعنى الحديث للثورات المصرية إلا مع وضع بند الثورة الأول هو «القضاء على الاستعمار وأعوانة»، صار هذا البند رمزاً لهذه الثورة، وذلك من خلال استقلال سياسى واقتصادى وعلمى استمر طيلة المدة حتى انتصار السادس من أكتوبر المجيد.
وللأسف فإن الكثيرين ظنوا أن هذا الشرط الحاكم كان غائبا عن القمة الأولى للثورة فى 25 يناير 2011، وهذا غير صحيح، ذلك لأن طليعة الثورة ممثلة فى شبابها تشكل وعيها مع أول صاروخ أنجلو أمريكى نزل على أرض العراق العربية، فآمنت تلك الطليعة بأنه لا أمل فى تحرير الأرض العربية فى فلسطين والعراق من الحلف الصهيو أمريكى إلا بعد تحرير مصر من نظام التبعية، وهو ما تم بالفعل فى الخامس والعشرين من يناير برفع شعار للثورة ضمن بنوده بند الكرامة الوطنية، فالكرامة الوطنية تعنى كرامة الوطن وكرامة المواطن ولا توجد كرامة لمواطن فى وطن بلا كرامة.
ترتب على غياب هذا البند، وهو الشرط الحاكم للثورات المصرية، خلال المرحلة الانتقالية الأولى، الإتيان بنظام الإخوان الذى شهد مزيداً من التبعية للخارج، حتى جاءت القمة الثانية للثورة المصرية فى 30 يونيو رافعة لشرط الثورات المصرية الحاكم.
لا أمل فى تحقيق الحرية بكل أشكالها والكرامة الإنسانية لكل مواطن فى ظل التبعية والتقيد بالاتفاقيات الجائرة والتى وقعت دون رضاء المصريين.
