غاية أي ثورة أن تكتمل، وتتحقق أهدافها بين ليلة وضحاها، ويقطف أبناؤها الثمار سريعًا.. عاشت الثورة المصرية منذ 25 يناير 2011 في فلك هذه القصة، فتوالت مشاهد الدم في الميادين، وانفجرت مظاهرات الغضب من كل مكان، واشتعلت المعارك السياسية بين المتكالبين على غنائم السلطة، وانطلقت آلة الإعلام في شراستها لتصفية الحسابات وتضليل الرأي العام بدلا من تبصيره ووضع اليد على الحقائق وليس الاستنتاجات، وحلت وجوه محل وجوه مرارا وتكرارا والكل في انتظار «العصا السحرية» لابتلاع الهموم والأزمات وصناعة مستقبل مشرق واعد!!
هكذا بدا حال ثورة مصر على مدار 3 سنوات من الإرهاق وحلقات متصلة من الاتهامات المتبادلة وملفات القضايا السياسية والجنائية التي ملأت الأرفف واكتظ بها «رول» المحاكم.. حتى لاح في نهاية النفق المظلم مؤخرا «ضوء» باللون البرتقالي مصدره التجربة الأوكرانية التي ضربت مثلا في قوة المعارضة عندما تتغلب على الانقسامات في صفوفها وتقود الشارع بذكاء وتنظيم وتحديد للأهداف دون «جعجعة» أو انسياق وراء المطامع الشخصية.. وها هو الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش يتراجع بداية الأزمة عن قراراته بالارتماء في أحضان روسيا ويعفو عن المعتقلين السياسيين وصولا إلى توقيعه اتفاقا مع المعارضة لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة والعمل بدستور 2004 الذى يحد من صلاحيات الرئيس حفاظا على مكتسبات الديمقراطية، وانتهاء بـ«هروب» الرئيس في نهاية الفيلم في مكان غير معلوم وسط ملاحقة قضائية بتهمة القتل الجماعي رغم تحديه للمعارضة قبل «الانقلاب» - على حد تعبير الرئيس وحلفائه – وإعلان يانوكوفيتش أنه «الرئيس الشرعى المنتخب»!!
من واقع هذه التفاصيل، نكتشف تشابهها فى الأحداث والسيناريوهات المرسومة بين المشهدين المصرى والأوكرانى رغم فارق التوقيت وبعد المكان واختلاف الظروف التاريخية، إلا أن قطار الثورة الأوكرانية انطلق من محطة تلو الأخرى متلهفا للوصول إلى آخر الخط ودون إبطاء، فتم تعديل الدستور، وجارٍ تشكيل الحكومة وتولي رئيس مؤقت البلاد وسارعت الدولة بالمطالبة بـ35 مليار دولار كمساعدات مالية خارجية للخروج من كبوتها وخرجت زعيمة المعارضة العنيدة يوليا تيموتشينكو من السجن لتزرع رجالها فى مواقع المسؤولية لتنقذ الثورة من «عبث ومراهقة» هواة السياسة!
أكتب عما يحدث فى أوكرانيا، ولم يجف القلم إلا وأذني تسمع في تعجب عن استقالة حكومة رئيس الوزراء حازم الببلاوي في مصر قبل شهرين من موعد انتخابات الرئاسة وكتابة عنوان جديد فى تاريخنا المعاصر.. سبقني الخبر إلى أحد الاختلافات الجوهرية بين الثورتين، وأترك للقارئ العزيز مهمة البحث عن اختلافات أخرى، وجائزتي محفوظة لمن ينجح في ذكر بقية الـ«10 اختلافات» وفقًا لقواعد اللعبة الشهيرة!!
