كمعظم المصريين الذين تابعوا الزيارة الأخيرة للمشير السيسى والوزير نبيل فهمى لموسكو فقد انتابنى الكثير من الارتياح والأمل فى أن تكون الزيارة فاتحة خير لتعميق وتنويع تعاوننا مع قوة كبرى كروسيا، تربطنا بها علاقات تاريخية وآفاق كبيرة للانطلاق والتحسن. فمصالحنا مع موسكو كثيرة ومتعددة وعلى رأسها: التعاون العسكرى وتنويع مصادر السلاح، مكافحة الإرهاب، التعاون فى مجال الطاقة والأمن الغذائى. ويأتى ذلك فى إطار سياسة خارجية تضع ضمن أولوياتها الحفاظ على التوازن الدقيق فى العلاقات بكل الدول دون مبالغة أو سعى إلى إرسال رسائل سياسية لطرف دولى دون الآخر لا طائل لمصر من ورائها.
إلا أنه لا يمكننى إخفاء ما شعرت به فى الوقت نفسه من قلق إزاء متابعتى لرد فعل الشارع المصرى- بكل مكوناته- على إخراج الزيارة من سياقها الصحيح وتصويرها على أنها جاءت لكسر النفوذ الأمريكى فى المنطقة والتدخل الغربى عموماً فى الشأن العربى، وتحول فى دفة أولويات السياسة الخارجية المصرية شرقاً (وهو ليس عيباً فى حد ذاته) وإعادة رسم منطقة الشرق الأوسط دون التركيز على ما تعنيه هذه الزيارة بالنسبة لتحقيق أهداف الثورة المصرية ومدى إسهامها فى عملية إعادة البناء والنمو والأمن التى نادت بها هذه الثورة من خلال التنويع والتكامل فى علاقاتنا مع كل الدول، والبعد عن تسطيح الأمور فى معادلة صفرية نكسب بمقتضاها مع طرف بمقدار ما نخسره مع طرف آخر.
ولنأخذ من ماضينا القريب عبرة، ففى الخمسينيات والستينيات تخيلنا أن التحول شرقاً بديل عن العلاقات مع الغرب (دون الدخول فى تفاصيل أسباب هذه التحول) وكانت النتيجة النهائية لهذا النهج استمرار التصعيد والاستقطاب وتربص الغرب بنا، حتى أوصلنا هذا الحال إلى هزيمة 67.
وفى السبعينيات وما بعدها تخيلنا أن الغرب يتحكم فى أوراق اللعبة السياسية فى المنطقة، وكانت لحالة الفتور التى انتابت علاقاتنا بالاتحاد السوفيتى منذ الاستغناء عن الخبراء الروس، مروراً بتأكيد تحالفنا مع الولايات المتحدة بعد معاهدة السلام مع إسرائيل، بادرة لبذرة عملت على تراجع دور مصر الإقليمى بشكل مطرد بما أضعف بلدنا خارجياً وداخلياً وكان سبباً فى وضع إحدى بذور الثورة.
أؤيد بوضوح تطوير العلاقات مع موسكو ولكن يجب وضع الأمور فى سياقها الصحيح. ويجب تناول الموضوع بواقعية وفى سياقه السليم. فبالنسبة لروسيا ينطلق تقاربها مع مصر من خبرة تاريخية مؤداها أن دخول الشرق الأوسط جاء من خلال مصر، وبالمثل فتراجع نفوذها كان بسبب فتور العلاقات مع القاهرة.
لذلك فإن حرص موسكو على توطيد العلاقات مع القاهرة ينبع من أن تعظيم نفوذها فى المنطقة يؤمن مصالحها الوطنية التى تتمثل الآن فى: حماية حدودها الجنوبية من عناصر الإرهاب المتواجدة فى المنطقة، تعظيم نفوذها فى سوق الطاقة الدولية من خلال القيام بدور بارز فى عمليات التنقيب عن مصادر الطاقة ووسائل نقلها، وأخيراً إظهار الندية للولايات المتحدة.
فلندع إذن إدارة أمور الدفاع والسياسة الخارجية لأهلها المتخصصين ولنثق فى قدرتهم على ذلك بالشكل المناسب، دون مزايدة أو تضخيم. فكما علمنا تاريخنا المعاصر، المبالغة تؤدى إلى خلق عالم افتراضى يبعدنا عن المواجهة السريعة والفعالة مع مشاكلنا الآنية ويبعدنا عن التعامل بالجدية اللازمة مع مصالحنا الوطنية الحقيقية.
