في يومٍ ما أعلنها البطل الشعبي.. الثائر –بدرجة رئيس جمهورية- جمال عبدالناصر: "الفقراء ليهم الجنة! هم الفقراء دول ملهمش نصيب في الدنيا! نصيبهم بس في الآخرة؟؟ هم أيضاً عايزين نصيب صغير في الدنيا ويدوكوا قصاده نصيب في الجنة!"*1.
لم يكن يعلم ناصر الغلابة وقتها أن مصر سيأتي عليها اليوم الذي ستكون فيه حتى الجنة ممنوعة على الفقراء من شبابها ورجالها، لأنهم سيضطرون للانتحار تحت وطئة صعوبة الحياة المعيشية، ولعدم قدرتهم على الزواج من جبيباتهم، كما فعل "مينا"*2، أو سنتنهي حياتهم وقد تحولوا إلى قتلة.. يقتلون رجال الأعمال الذين يفصلونهم، كما فعل "خالد"*3.
"مينا" و"خالد" ليسا أول من يضطر لفعل هذا أو ذاك منذ 28 سبتمبر 1970 "يوم وفاة عبدالناصر"، ولكن خصوصية حالتهما تكمن بشكل ما في حدوثها بعد 25 يناير و30 يونية، اللتان يتشاجر أنصار كل منهما حول "أيهما ثورة؟"، في حين أن الاثنتين قد لا تصلحان لإطلاق لفظ "الثورة" بمعناه الحقيقي عليهما، فكما أن الديموقراطية ليست فقط أن يذهب الناس لصندوق الاقتراع لاختيار من يمثلهم، فالثورة أيضاً ليست فقط أن ينزل الناس للميادين للمطالبة بتغيير من يمثلهم.
"مينا" ابن الأقصر انتحر بعد فشله في الزواج من محبوبته بسبب ارتفاع تكاليف الزواج.. أطلق الرصاص على رأسه في 10 فبراير الجاري، بعد أن ترك ورقة مكتوب عليها «لجأت للانتحار للتخلص من أعباء الحياة المعيشية»..
لم يكف "مينا" -29 عامًا- أن يعمل عملاً شريفاً "صاحب محل محمول"، ليستطع أن يحيا حاة كريمة، ويتزوج من الفتاة التي أحبها قلبه.. فانتحر..
لو كان "مينا" مسلما لكان رأي كبار مشايخ الفضائيات أنه في النار، يريدون يسرقوا آخرته بعد أن سرقوا دنياه، وكأن الله قال أن رحمته وسعت كل شيء إلا المنتحرين فقرا وذلاً، وكأنه عز وجل لا يعلم أن هؤلاء الشيوخ الذين يُكفِّرون من ينتحر لعدم استطاعته الزواج من واحدة.. يتزوج كل واحد منهم أربعة مرة واحدة!!!
أما "خالد" -49 سنة- فلم يطلق النار على نفسه، وإنما على "عمر خميس عصفور" أحد أصحاب شركة "كريستال عصفور" الشهيرة، حيث دخل العامل المفصول مكتب عصفور في 10 فبراير الجاري، وطلب منه إعادته للعمل بعد خروجه معاشاً مبكراً أو إعطائه مستحقاته، ولما رفض أخرج "خالد" طبنجة كانت مختبئة تحت ملابسه وأطلق 4 رصاصات بشكل هستيري، فأصابت واحدة "بطن" عمر عصفور.
جلس "خالد" ينتظر "البوليس".. ولما جاء اعترف بسهولة وببال مستريح بأنه فعل ذلك، لأن المجني عليه "خرب بيته"، بعد فصله من عمله وحرمانه من مصدر رزقه.
وكانت إدارة الشركة قد فصلت "خالد" ومجموعة من زملاؤه منذ شهور في إطار سياسات تخفيض العمالة، فيما وصفه أحد العمال في تصريح صحفي في 12 نوفمبر الماضي بأنه "عقاب من صاحب الشركة على عزل الإخوان"*4، حيث أن صاحب الشركة "الملتحي" وليد عصفور*5، وشقيقه "عمر" فلسطينيان متهمان بالانتماء لحركة حماس وتمويل جماعة الإخوان واعتصام رابعة، بل وخرج الإخواني المنشق ثروت الخرباوي مصرحاً في 16 نوفمبر الماضي بأن "شركات يتملكها فلسطينيون ومنتمون إلى جماعة الإخوان، تسعى إلى تسريح العمالة للضغط على الحكومة الحالية"*6، في إشارة إلى شركات عصفور.
المهم أن "خالد" حاول قتل صاحب رأس المال، وإن كانت تلك جريمة أمام القانون والمجتمع، إلا أنه لاعجب من اضطراره لفعلها، ففي مجتمع بات الفقير فيه يعيش ليعمل لا يعمل ليعيش، أصبح خالد بعد فصله بلا أمل، فربما كان يعيش فقط ليوفر لأولاده قوت يومهم، فلماذا يعيش بعد انقطاع دخله؟ فليُعدم حتى ولهم الله!
قد تسأل أو تستنكر "كيف تعاطفت إنسانياً مع العامل القاتل ضد رجل الأعمال المقتول؟".. وسأرد عليك "مستعد ألا أفعل.. بشرط ألا تكون قد تعاطفت أنت مع محمود ياسين ضد صاحب الشركة جميل راتب في "على من نطلق الرصاص"، أو مع عادل إمام ضد رجل الأعمال فريد شوقي في "الغول"*7..
الفرق الوحيد بين جميل راتب وفريد شوقي وبين أصحاب "كريستال عصفور" فقط أنهم بـ"دقن"! كما أنهم ينظرون الآن لـ"خالد" باعتباره قاتل مصيره نار جهنم، مثله مثل "مينا"، متناسين مقولة الصحابي الجليل "أبو ذر الغفاري": (عجبت لمن لم يجد قوت يومه، كيف لا يخرج للناس شاهراً سيفه).
إن مينا وخالد وأمثالهما من فقراء هذا الوطن لا ينتبه إليهم أحد حتى تلك التي تسمي نفسها بـ"المنظمات الحقوقية"، فهي تهتم فقط بالحرية بمفهومها الغربي، حتى "دهب" لم ينتبهوا إليها أو إلى غيرها وهم يعيشون في فقر مدقع منذ أكثر من 40 عاماً، وتذكروها فقط عندما وُضع الحديد في يدها وهي تلد، رغم أنها هي شخصياً لم تشكو الحديد قدر شكوتها من ذل الفقر، لدرجة أن زوجها فاجأ الجميع بتصريح، قال فيه "أبلغت الشرطة عن النشطاء عشان مش عاوز وجع دماغ.. وأنا مش فاضي لناس عاوزة تتاجر بمراتي وبنتي"*8.
إن تلك المنظمات لا تعمل لأجل الفقراء، وكأن حق أن يجد المواطن قوت يومه ليس من حقوق الإنسان، وكأن نهب قوت يومه ليس انتهاكاً لحقوق الإنسان.. إن تلك المنظمات حقاً لم ولن تعمل لهم، فأغلبها يتلقى تمويله من دول تعتبر هي قلاع الرأسمالية في العالم أساساً، دول يشهد التاريخ أنها استعمرت وذبحت وقتلت –ولا تزال- من أجل رأس المال، وبالتالي ليس من مصلحة تلك المنظمات أن يعلو صوت الفقراء ضد عملاء أسيادهم..
إن فقراء هذا الوطن حقاً لم يعد لهم إلا الجنة، وأصبح واجباً حتمياً علينا أن نحارب لأجل أن "ياخدوا نصيب صغير في الدنيا!".
هوامش:
1* عبدالناصر: الفقراء ليهم الجنة!
http://www.youtube.com/watch?v=emPwTjEVaOo
2* شاب يطلق النار على نفسه لـ«التخلص من أعباء الحياة المعيشية» بالأقصر
http://almogaz.com/news/crime/2014/02/11/1333788
3* نقل صاحب «كريستال عصفور» للمستشفى في حالة حرجة بعد إطلاق النار عليه من عامل «مفصول»
http://dostorasly.com/news/view.aspx?cdate=10022014&id=e4053999-a8a6-41ea-b72c-6657a2f4f932
4* عمال "كريستال عصفور": "صاحب الشركة يعاقبنا على عزل الإخوان"
http://www.vetogate.com/688192
5* أغنية يتداولها عمال "كريستال عصفور".. "وليد عصفور" أجدع ما فينا جبان
https://www.youtube.com/watch?v=cTF7sfspz3M
6* الخرباوى: الشركات الإخوانية تسرح عمالتها للضغط على الحكومة
http://www1.youm7.com/News.asp?NewsID=1346614&#.UwbsW_mSw1Y
7* مشهد النهاية من فيلم "الغول"
http://www.youtube.com/watch?v=8fJjkgGSOaE
8* زوج «دهب»: «أبلغت الشرطة عن النشطاء عشان مش عاوز وجع دماغ»
http://www.dostorasly.com/news/view.aspx?cdate=19022014&id=30bbffc3-1e44-4ed5-a551-e93dd3cc39c3
