أصبح أنس الفقى وزير الإعلام الأسبق حرا طليقا بعد عدة قضايا ظلت تلاحقه، مثل بث المباريات للقنوات المصرية مجانا، ونشر إنجازات الحكومة السابقة لثورة 25 يناير على مدار خمس سنوات، وأراض هنا وهناك اشترى وباع وحصل على نصيبه من «يغمة» الفساد الذى كانت تعيشه مصر، كلها بالطبع جرائم صارخة، ولكنها تبدو لعب عيال بالقياس لما فعله «التايكونات» الضخمة ببجاحة وافتراء.
أنس الفقى جزء من النظام الأسبق، كان واجهة له، ودوره هو تبييض الوجه القبيح للدولة ورموزها، ولكنه لم يكن وحده، لعب معه عديدون صاروا الآن أبطال 25 و30 وما يستجد. أنس مثل كُثر ارتبطوا بالدولة الفاسدة التى كان عنوانها مبارك وزوجته وابنيه والحاشية، كانت المصالح والنهب يجمعهم وهم ينهشون مقدرات الوطن، مثل زكريا عزمى وصفوت الشريف وأحمد عز وحبيب العادلى وفتحى سرور وغيرهم.
أنس ظل حتى 11 فبراير موقنا أن مبارك الأب لديه المفتاح للخروج الآمن من الأزمة بأقل عدد من الخسائر، بالتأكيد ليس من بينها أن يتخلى عن الحكم، لم يكن هذا واردا فى حسابات أنس الفقى، بينما عبد اللطيف المناوى الرجل الثانى فى ماسبيرو حسمها مبكرا، عرف أن الرهان على القوات المسلحة هو فقط الذى يضمن له النجاة، أدرك المناوى أن الكبير سيسقط خلال أيام، ولو كان لديه شك ما كان من الممكن فى تلك اللحظة الفارقة أن يذيع على مسؤوليته البيان الأول للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذى حمل فى طياته شفرة التقطها المصريون وهو أن الجيش يدعم ثورة الشعب.
أنس وقتها كان فى القصر، وانتقل بعد أيام من سقوط النظام إلى السجن، لدينا سنوات ست فارقة فى تاريخ مصر، كان فيها أنس على رأس ثانى أهم جهاز فى الدول القمعية ألا وهو الداخلية. نعم لديه كثير يرويه. موقنٌ أنا أنه شاهد هؤلاء الأبطال الإعلاميين الزائفين، وهم يبحثون عن فرصة للقاء الست أو الابن أو العادلى أو نظيف، أو حتى مجرد سلام عابر ثم صورة تلتقط للإعلامى بجوارهم تساوى كثيرا، وتمنح من يحظى بها حماية أدبية، حيث يتم تصديرها للقاصى والدانى بأنه مرضىّ عنه، الاقتراب من السلطة أى سلطة يحقق لهم ذلك، راجعوا الصور حتى فى عام مرسى عندما كان على الكرسى، شاهدوا كيف أن المثقفين والإعلاميين كانوا حريصين فى أول لقاء معه أن تلتقط الكاميرا صورهم وابتسامة كاذبة تعلو وجوههم.
المهمة التى حملها أنس هى تمهيد المجتمع لتنصيب جمال رئيسا، ولم يكن مجرد مسؤول عن الإعلام الرسمى، قبضة الدولة كانت محكمة على الإعلام الخاص أيضا، والصفقات كانت مع الجميع.
صفوت الشريف لن يجرؤ أن يحكى رغم أنه تجاوز فى كرسى الإعلام أكثر من عشرين عاما، ولديه ما هو أكثر من أنس ولكنه كرجل مخابرات سابق سيصمت تماما، فهو يعلم أن بعضا مما سيقوله سيفتح عليه أبواب الجحيم، ولا يستطيع فى كثير من الأحيان أن يقول كل الحقيقة، سيصبح مطلوبا منه أن يبدأ الحكاية من البداية منذ أن كان يعمل فى المخابرات باسم مستعار «موافى» وكان منوطا به اختراق الوسط الفنى ومعرفة أدق الأسرار.
أنس لن يروى كواليس مشروع التوريث لأن الكل يحرص الآن على إنكاره، حتى لو قفز فوق تلك النقطة الشائكة، فإن لديه تفاصيل ساخنة أخرى وأرى أن صندوق برنامج «البيت بيتك» الذى أطلقوا عليه بعد ذلك «مصر النهارده» ملىء عن آخره. لم يكن أنس صاحب البذرة الأولى للبرنامج، ولكن ممدوح البلتاجى الذى تولى الإعلام بعد صفوت ولم يتجاوز الأمر 11 شهرا، كان هو الذى قص شريط الافتتاح، ليأتى بعده أنس ويظل هذا البرنامج هو بيت الصفقات، فلقد حظى بكثافة مشاهدة عالية لم يسبق أن حققها برنامج فى التليفزيون الرسمى، وهامش حرية كان يتجاوز أحيانا التليفزيون الخاص، الخط الأحمر هو بيت الرئيس، وبعدها يفتح النيران بين الحين والآخر على نظيف وسنين نظيف، ليفرغ شحنات الغضب بعيدا عن المقدس. لعبة متفق عليها، ولكن لم يقتصر الأمر فقط على ذلك، أغلب الإعلاميين والمثقفين كانوا يرقصون على نفس الإيقاع، هؤلاء تحديدا الآن صاروا أبطالا، هل يروى أنس شيئا لنرى الجزء المسكوت عنه من الصورة!!
