علمتنى التجربة أن أتوقف عند بعض الأخبار الصغيرة باهتمام، قد يفوق الاهتمام بالأخبار التى تحتل صدر الصفحات الأولى!!
بالأمس توقفت عند خبر يقول: إن وزير الإسكان المهندس إبراهيم محلب قد أصدر قرارا بحل مجلس إدارة الاتحاد التعاونى، وتعيين مجلس مؤقت.. السبب المعلن هو معاناة المواطنين بسبب مشروع «صقر قريش» الشهير على مدى ثلاثين عاما، وحتى الآن.
لكن القضية -فى تقديرى- أبعد من ذلك بكثير.. الاتحاد التعاونى للإسكان كان بؤرة فساد، لكنها تخفى ما هو أهم.. وهو موت الحركة التعاونية فى مصر، وما أدى إليه ذلك من كوارث، ليس فقط فى مجال الإسكان، بل فى مجالات كثيرة اقتصادية واجتماعية، كان يمكن للحركة التعاونية أن تؤدى دورا مهما فى قيادتها لتخفيف العبء عن المواطنين، ولتساعد فى دعم قطاعات مهمة من المزارعين والصانعين.
فى وقت من الأوقات، كانت الحركة التعاونية تقوم بدور كبير فى مجال توفير السكن لمتوسطى ومحدودى الدخل.. وكانت الجمعيات التعاونية الزراعية فى الريف هى السند الحقيقى للفلاح.. وكانت الجمعيات التعاونية الاستهلاكية فى المصانع والشركات والنقابات تقدم خدمة كبيرة فى ضبط أسعار السوق وتوفير السلع الأساسية لفئات عديدة من المواطنين.
مع الانفتاح «السبهللى» وتخلى الدولة عن مسؤولياتها تراجع ذلك، واعتبرت الحركة التعاونية تركة «ثقيلة» يجب التخلص منها، وقد تم ذلك بإهمال الدولة من ناحية، وتفشى الفساد من ناحية أخرى.
مع تراجع الحركة التعاونية فى بناء المساكن، تم تكريس الجزء الأكبر من الموارد لبناء المنتجات الفاخرة، وتوقفت الدولة عند حدود بناء مساكن الإيواء، لتبقى الغالبية الكبرى من أبناء الطبقة الوسطى ومحدودى الدخل ما بين العشوائيات وسكن المقابر!
ومع تراجع الحركة التعاونية الزراعية، تخلى بنك التسليف عن مهماته الأساسية، وكان رهن البيع أو التصفية قبل الثورة.. واختفت الجمعيات التعاونية التى كانت عماد الاقتصاد فى الريف، ليحل السماسرة محلها.. يبيعون السماد المدعم بضعف أسعاره، ويأتون بالمبيدات السامة والتقاوى المغشوشة، ثم يستولون على المحاصيل من المزارعين الغلابة بأبخس الأسعار لتصل إلى المستهلك بأضعاف أضعاف سعرها!!
وفى مجال الاستهلاك وتوفير السلع الأساسية، وجدنا الجمعيات التعاونية الفئوية تغلق أبوابها، والجمعيات الاستهلاكية التابعة للحكومة تعرض للبيع أو الإيجار، أو تتحول إلى جدران خاوية، وموظفين بلا عمل.. لتصبح السوق فى يد احتكارات تفرض ما تشاء من أسعار!!
الآن.. تتدارك الدولة هذه المخاطر.. استعادت الجمعيات الاستهلاكية بعض الحياة، وبدأت خطة لمضاعفة أعدادها للسيطرة على جنون الأسعار، لكن ما زالت الجهود قاصرة فى ما يتعلق بالقطاع التعاونى، سواء فى هذا الجانب المتعلق بالجمعيات الاستهلاكية، أو فى ما يتعلق بالإسكان والزراعة وغيرها من القطاعات.
لا بد من عودة الجمعيات التعاونية إلى دورها فى الإسكان «وبمساعدة الدولة» لتوفر سكنا معقولا لشرائح عديدة من الطبقة الوسطى تتعرض الآن إلى النصب والاستغلال وخطر السكن فى عمارات غير مطابقة للمواصفات وغير آمنة للسكن.
ولا بد من عودة الجمعيات التعاونية إلى الريف، لإنقاذ الفلاح من استغلال بشع يتعرض له فى كل مراحل العملية الزراعية، ولمنع الغش فى مستلزمات الزراعة، ولتوفير مظلة أمان يمكن من خلالها تسويق المحاصيل تسويقا صحيحا، ويمكن أيضا إدخال التصنيع الزراعى، من خلال مصانع صغيرة، وتعمل أيضا على تحويل الأسر العاطلة إلى أسر منتجة.. ولنا فى ذلك تجارب عدة ناجحة.
وإذا كنا نقول الآن إن جانبا مهما من عبور الأزمة الاقتصادية سيكون عن طريق المشاريع الصغيرة، فإن «التعاون» لا بد أن يكون حاضرا هنا، لأن البديل -فى ظروفنا التى نعرفها جميعا- سيكون مزيدا من البيروقراطية والتعقيدات التى لا تتحملها هذه المشروعات التى يمكن أن تمثل نصف إنتاجنا أو أكثر وأن تستوعب معظم العمالة العاطلة بأسرع وقت وبأقل تكلفة.
هذه خواطر عن خبر صغير، ربما يراه البعض غير جدير بالنشر، أو بالنقاش.. لكنى تعودت أن أقرأ الأخبار الصغيرة قبل المانشيتات، وتعلمت أن الأخبار الصغيرة هى التى تصنع الحياة.
ويبقى الاعتراف أنى حين قرأت خبر حل «الاتحاد التعاونى» كانت المفاجأة -بالنسبة لى- أنه ما زال لدينا -حتى الآن- شىء «تعاونى» وهو أمر -لو تعلمون- عظيم!!
