داهمتنا الأحداث، فلم نستطع أن نحيى أسطورة كرة القدم «بيليه» عند وجوده فى القاهرة قبل أيام، وجاءت الجريمة الهمجية المنحطة على أوتوبيس السياح الكوريين فى «طابا» لتطغى على صورة ساحر الكرة وهو يزور الهرم، وما يمكن أن تقدمه للسياحة من فائدة.
بيليه هو أعظم لاعبى الكرة فى القرن العشرين، كما أكدت كل الاستفتاءات التى جرت بين خبراء الكرة. الوحيد الذى لا يعترف بذلك هو «مارادونا»، الذى يصر على أنه الأعظم. ولكن حتى لو تغاضينا عن السلوك الشخصى لهذا أو ذاك، ففى اعتقادى أن «مارادونا» رغم موهبته الفذة ليس هو المنافس الأول لبيليه وإنما هو «ديستفانو» ساحر الكرة الذى قاد «ريال مدريد» فى عصره الذهبى قبل نصف قرن، والذى أثار ضجة أخيرا بزواجه الجديد وهو يقترب من سن التسعين!!
ديستفانو هو الذى اخترعوا له لقب «المايسترو» كان شيئا مذهلا ومختلفا عن كل لاعبى جيله والأجيال الأخرى. يلعب كأن الملعب كله ملكية خاصة له يفعل فيه ما يشاء. تحس أنه فى كل لحظة من المباراة يرى كل سنتيمتر من الملعب. يفعل السهل الممتنع.. يسيطر على كل شىء فى الملعب.. على فريقه وعلى الفريق المنافس وعلى إيقاع المباراة وأنظار المتفرجين. ومع نجوم من أمثال «بوشكاش» و«خنتو» قاد ديستفانو «ريال مدريد» إلى أمجاد غير مسبوقة وربما غير ملحوقة أيضا.
كان من حظ جيل سابق أن رأى كل هؤلاء النجوم فى القاهرة عندما جاء «ريال مدريد» للقاء الزمالك، وقدم استعراضا بهيجا، وسجل ديستفانو هدفا لا ينسى. وكان من حظ هذا الجيل أيضا أن رأى بيليه ونجوم البرازيل على استاد القاهرة وهم يلعبون باسم منتخب البرازيل أو فريق «سانتوس» فى عام ١٩٧٢. لم أكن فى القاهرة حين جاء بيليه مع «سانتوس»، لكن الفريق كان فى جولة لعب خلالها فى عدة دول بالمنطقة وقد شاهدت مباراته فى دولة الإمارات وكانت فى بداية نشأتها. لم يكن الملعب جيدا، وكانت المباراة بالنسبة للفريق البرازيلى أشبه بـ«تقسيمة» لكن بيليه أمتع الجماهير كالعادة.
نجومية «بيليه» ومستواه الفذ لم يعط للاعب عظيم آخر حقه، وهو زميله الجناح الأيمن فى فريق البرازيل «جارينشيا».. هذا اللاعب الموهوب الرائع الذى كون مع بيليه ثنائيا لا يتكرر، حيث لم تنهزم البرازيل فى مباراة لعب فيها الاثنان معا. لكن «جارينشيا» استطاع فى بطولة العالم ١٩٦٢ أن يعوض غياب «بيليه»، الذى أصيب فى بداية المباريات، وأن يقود فريقه للحصول على كأس العالم وقدم مستوى مذهلا. لم يأخذ «جارينشيا» حقه وظلم هو أيضا نفسه مثل «مارادونا»، ورحل وهو يعانى من الفقر والمرض والإهمال.
الآن.. نحن فى عصر «ميسى» و«رونالدو».. تطورت الكرة وأصبحت صناعة كبيرة وتجارة بالمليارات، ودخل العلم والتكنولوجيا، وأصبحت المباريات ضيفا على كل البيوت. ولكن -برغم كل ذلك- يبدو أن المواهب الحقيقية تقل، وأن الخطط والتكتيكات الفنية تأتى فى أحيان كثيرة على حساب الإبداع والمتعة.
ويبقى لـ«بيليه» فضل آخر بالنسبة لزيارة القاهرة. فى المرة السابقة جاء مع فريقه فى ظل حالة حرب تعيشها مصر وهى تستعد للعبور العظيم فى أكتوبر. والآن يجىء «بيليه» ومصر تخوض الحرب ضد الإرهاب. يأتى ليقول إن للرياضة دورا آخر كرسالة للمحبة وسلاح ضد التطرف الأعمى والإرهاب الحقير الذى أصر على أن تتزامن ضربته المنحطة فى طابا مع زيارة «بيليه» للأهرامات!!
ويظل «بيليه» هو الملك.. على الأقل فى النصف الثانى من القرن العشرين، وسط كوكبة من النجوم يتصدرها «ديستفانو وبوشكاش وبيكنباور وكرويف وماراودنا». وإذا سألتنى عن اسم كان يمكن أن ينضم إليهم من مصر فهو «الضظوى»، أعظم مهاجم شاهدته ملاعبنا، مع التقدير الكامل لكباتن آخرين تصدروا الساحة عن استحقاق كامل مثل «الخطيب وأبو تريكة»، وبلا تقدير لـ«كباتن» آخرين لا يستحق الواحد منهم ثمن العشاء، ومع ذلك يطلب الملايين ليوقع لـ«حديد أبو زعبل» أو يجلس على دكة الاحتياطى فى نادى «كفر الشلشمون»!!
شكرا «بيليه».. كانت زيارته فى هذا الوقت بالذات رسالة محبة لمصر، ولطمة على وجه إرهاب مصيره الهزيمة مهما فعل، ومهما نال من دعم قوى الشر فى الداخل والخارج!
