سأعطيك صوتى ﻷننى حين أختارك أختار الثورة وآمالها وأحلامها الضائعة
أعطيتك صوتى فى المرة الأولى، وسأعطيه لك من جديد، لأننى ما زلت أؤمن- رغم أن الأمر يبدو محسومًا- أننى حين أختارك، فإننى أختار الثورة، أختار آمالها الضائعة وأحلامها التى لم تتحقق. أعرف أن مهمتك قد أصبحت صعبة، ولكن هدفها نبيل، والنبل يليق بك يا حمدين، لأنك فى هذه اللحظة تسعى لبعث الحياة فى العملية الانتخابية، وتعتمد على نزاهتها وتعلى مبادئ الديمقراطية فوق المخاوف الشخصية، وتأمل أيضًا فى تحييد الدولة.. فمتى يمكن أن يتحقق ذلك؟
أنت تتيح لنا حرية الاختيار، تحرر إرادتنا من سطوة الرأى الواحد، أن نظفر للمرة الأولى باختيار الرئيس الذى سيحكمنا، مهما كان الذين يعارضون ترشيحك، ومهما كان عدد الذين تخلوا عنك، فى سعيهم نحو «المضمون» فإن هناك معنى أعلى فى ترشحك. لقد رحب المعسكر المنافس بهذا الترشيح كثيرًا، لا رغبة فى المنافسة ولكن من أجل تجميل صورة مرشحهم، ومن أجل تحويل الانتخابات، من استفتاء أحادى الجانب، ذلك الذى تعودنا عليه لمدة ستين عامًا، إلى اختيار تنافسى حقيقى، كان الجانب الآخر فى انتظارك أنت بالذات، لم يكن أحد ينتظر الفريق عنان، فليست له مكانة بارزة فى الشارع السياسى، وهو أيضا يحمل فى عنقه ذنب عشرات الشهداء الذين سقطوا أمام «ماسبيرو ومجلس الشعب ومحمد محمود»، فلا أحد ينتخب مرشحًا يداه ملوثتان بالدم.
ولم يكونوا فى انتظار الدكتور أبو الفتوح أيضًا، فالجميع يعرفون أنه مجرد واجهة للإخوان المسلمين، سوف يتسللون من خلفها ليفسدوا حياتنا، فالرجل كان وما زال وسيظل إخوانىَّ الهوى، ويمكن أن تتحول الانتخابات إلى عِراك دموى نحن فى غنى عنه.
مرشح الثورة الذى يليق به هذا اللقب هو أنت، لأنك جئت من الميدان، وليس من أجهزة الدولة الخفية، وأكدت شخصيتك بالنضال المدنى المتواصل، والتعرض لسجون مبارك، وليس بالترقى فى مؤسسات الدولة التى طالما مارست قمعها علينا، لا يوجد من يداهنك أو ينافقك أو يعطيك أكثر من حقك، فلا يوجد خلفك مطمع أو غنيمة، وتم اختبار معدنك فى الانتخابات الماضية، وظفرت بملايين الأصوات، ولولا التزوير الفاضح وسطوة المال السياسى لتم فوزك وتتويجك. سلاحك الوحيد هو أصوات البسطاء، وهم ما زالوا يملؤون الساحة، والفقراء الذين ازداد فقرهم، من أجل هذا نثق أنك لن تكون «سنِّيدًا» تضفى الشرعية على انتخابات لا تخصك، ولكن طرفٌ أصيلٌ يحمل أحلام شباب الثورة الحالمين بدولة مدنية تحمل مصر إلى المستقبل دون قمع أو سلطة مطلقة.
أنت مرشح الضرورة، وهو تعبير أقتبسه من أستاذنا هيكل رغم أنه لم يكن يقصدك به، ولكن يقصد المرشح الآخر المشير السيسى، وهذا سر صعوبة المعركة، فالرجل هو أحد فرسان مصر، قام بعمل نبيل حين خلّص مصر من تسلط الإخوان، أنقذنا جميعًا من مذابح الحرب الأهلية، وقد التف الشعب حوله وما زال يلتف، وبعضهم لا يرى من زعيم أو منقذ غيره، إضافة إلى ذلك هو ضابط محترف، جزء من المؤسسة العسكرية التى حكمت بلادنا لمدة ستين عامًا، رغم أن مهمتها الأساسية هى أن تحمى، لا أن تحكم، ولكن هذه إحدى سمات دول العالم الثالث وسبب تخلفها، وقد ظهر التخبط السياسى وقلة الخبرة فى الفترة التى حكمنا فيها المجلس العسكرى بشكل مباشر وصريح، وكانت أكثر الفترات اضطرابًا ودموية فى تاريخنا، ربما لم يحدث مثلها إلا فى أيام المماليك، وما زالت مستمرة بشكل أو بآخر حتى الآن. من هنا تبدو أهمية ترشحك يا حمدين، أنْ تنقذتا من هذه الحلقة الجهنمية، وهناك أكثر من سبب موضوعى يدعوك للإصرار على الترشح:
أولا: إنقاذ الجيش من الانزلاق فى مستنقع السياسة، فنحن فى أمس الحاجة إلى أنْ يتفرغ لعمله الاحترافى، خصوصا أن الإرهاب قد بلغت ذروته، من إسقاط طائرة مروحية فى سيناء، إلى تخريب أبراج الضغط العالى فى وادى الدلتا، ومن تفجير مديريات الأمن، إلى تفخيخ المقار العسكرية، وكنا نتوهم أن القضاء على الإرهابين مهمة سهلة، يكفى القيام بتجريدة من الجند حتى نتمكن من القضاء عليه، ولكن الأمر مستمر منذ نحو سبعة أشهر حتى الآن، لذلك فإن الجيش فى حاجة إلى كل قوته وكامل انتباهه، والتدخل فى السياسة لن يفعل سوى تشتيت قادته بعيدًا عن ميدان المعركة، ليس هذا وقت البحث عن مناصب أو غنائم، نحن فى حاجة إلى وضع خطط فعالة تعيد الأمن إلى سيناء، وليس للاستيلاء على صناديق الانتخاب.
ترشيح حمدين هو المخرج الوحيد من هذا المأزق، فهو لن يعيد الحكم المدنى إلى البلاد فقط، ولكنه سينقذ الجيش من الخلافات التى يمكن أن تعصف به بسبب الصراع على السلطة.
ثانيا: إعادة الشباب إلى العملية السياسية بعد أن طردتهم أساليب القمع الأمنى، فقد أصبحوا يشعرون بأنهم غرباء عن الثورة التى صنعوها، فلم يتم إبعاده عن دائرة القرار فقط، ولكن جرى التنكيل برموزهم أيضًا، استعاد الأمن هيبته على حسابهم، واسترد يوم عيد الشرطة قسرًا، وعاد الضباط القدامى محمَّلين بمشاعر عدائية، وقد أطلقت أيديهم، بينما يتم التعتيم على شهادات المعذبين، ولم تكتف الشرطة بالقبض على الأطفال والحوامل، ولكنها قامت بإجراء كشوف العذرية على بعض الفتيات، كما حدث فى قسم الأزبكية.
إننا نقدّر التضحيات التى يقوم بها رجال الأمن، ونرثى الشهداء الذين يتساقطون كل يوم، ولكن هذا ليس مبررًا للقمع وممارسة أساليب التسلط على الأبرياء، فلمثل هذه الأسباب قامت ثورة يناير، وظل التنابذ مستحكمًا بين الشعب وجهاز الشرطة حتى قامت ثورة يونيو، وأحس الشعب أنها تقف بجانبه، الشرطة تبالغ فى قسوتها وتباعدها الآن، وعليها أن لا تعتقد أنها فوق القانون.
ثالثا: إنقاذ مصر من الانزلاق إلى مهاوى الحكم الفردى، الذى يصيحون من أجله بعودة الزعيم المخلص، يعتقدون أننا نخوض معركة حربية ضد الإخوان والإرهاب، لذا فنحن فى حاجة إلى قيادة عسكرية نخوض بها المعركة، ولكن فكرة الزعيم المخلص أصبحت عاطفية وقديمة وتجعلنا نتحمل ما لا ينبغى تحمله، إننا لا نريد رئيسًا يحكم مصر بمفرده، فهى أكبر من أى فرد، نحن فى حاجة إلى فريق من المتخصصين كالذين جمعتهم فى الانتخابات السابقة، خليط من العقول المصرية التى تقترح لمصر حلولًا تناسب المستقبل، تستغل موارد مصر الطبيعية وبدائل الطاقة من شمس ورياح وتقوم بإدخال صناعات جديدة، إدارة مصر بشكل جيد هى الحلم الذى نأمل فى الوصول إليه على يديك.
المعركة هذه المرة صعبة يا حمدين، فدوامة الصراخ التى تحيط بنا، لا تمكننا من الاستماع إلى أى صوت مختلف، وللمرة الأولى ينتاب رجال الإعلام هذه الحالة من السعار، فلا يكفون عن ترديد اسم سوى اسم واحد بمناسبة وبغير مناسبة فى معظم الأحوال، والمواطن العادى من فرط إحساسه بالفزع يبحث عن أى شىء يتمسك به.
إنه قلق اللحظة وجنونها، هو الذى يدفع الجميع إلى الاستنجاد ببطل خارج عن سياق التاريخ، وإذا تعقلنا جميعًا وفكرنا فى المستقبل، فأنت أفضل مرشح للمستقبل بعيدًا عن قلق اللحظة.
