توقفنا أمس عند التساؤل: هل بالإمكان التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة مع إثيوبيا حول ملف مياه نهر النيل والحيلولة دون تحول الأزمة إلى صراع مفتوح؟
الإجابة نعم، هناك إمكانية لتسوية ملف مياه النيل مع إثيوبيا ولكن هذه التسوية تقتضى جهودًا ضخمة من جانب الحكومة المصرية، وتتطلب تبنِّى استراتيجية جديدة وفق رؤية واضحة ومحددة تتمثل بالأساس فى إعادة ملف مياه النيل إلى موقعه الطبيعى، باعتباره خلافًا ثانويًّا يمكن تسويته على قاعدة المصلحة المشتركة والمكسب المتبادل، فهذا النوع من الخلافات يقع فى منطقة الخلافات النابعة من عوامل انقسام ثانوية، ومن ثم فهو بحكم الطبيعة والتعريف، وباعتباره خلافًا يتبع نمط الصراعات القابلة للتسوية (non zero sum game) ومن ثم فهو خلاف، نزاع أو حتى صراع قابل للتسوية وفق قاعدة المكسب المتبادل.. win win situation.
أول خطوة على طريق تسوية هذا الملف هى وقف التصعيد المتبادل، فالملاحظ أن هناك اندفاعًا نحو التصعيد من الطرفين، فقد سبق وجرى التلويح باستخدام القوة من جانب نظام مبارك، ورد رئيس الوزراء الإثيوبى الراحل ميلس زيناوى بأن مصر لا يمكنها شن عدوان عسكرى على إثيوبيا، وتحدى مصر أن تفعل ذلك. وجرى التصعيد لاحقًا، حيث لوَّح اجتماع مرسى مع رفاقه بالعمل العسكرى، وفى نفس الوقت سارت وسائل الإعلام فى البلدين على طريق التصعيد وتبادلت التهديد، فهناك وسائل إعلام مصرية طالبت بضرورة وقف بناء السد ولو بالقوة. وفى إثيوبيا مَن تحدى هذه التهديدات. عمومًا الخطوة الأولى تتمثل فى وقف التصعيد تمامًا وترْك الملف لتعامل الجهات الرسمية المعنية.
الخطوة الثانية تتمثل فى دعوة الجانب الإثيوبى للتباحث حول البدائل المختلفة للتعامل مع المشكلة على قاعدة عدم الإضرار بمصالح أى طرف، ومن ثم يمكن فى هذا السياق البحث فى مجموعة من البدائل، منها مشاركة مصر بنسبة ما فى عملية تمويل السد، بحيث تكون لها بعثة مقيمة هناك تتابع عملية البناء وتنفيذ بنود أى اتفاق يتم التوصل إليه. أيضا يمكن الاتفاق مع الجانب الإثيوبى على تكليف شركات دولية متخصصة بدراسة تداعيات إقامة السد من مختلف الجوانب، والعمل على الحد من أى مخاطر تترب على إقامة هذا السد وسلسلة السدود المقترحة. كذلك يمكن التوصل إلى اتفاق مع الجانب الإثيوبى على مراعاة معدلات سقوط الأمطار عند بدء عملية التخزين، ففى السنوات التى تشهد فيضانا مرتفعا يمكنها حجز كمية أكبر من المياه، أما السنوات التى تشهد فيضانا أقل ففى هذه الحالة تقلل إثيوبيا من حجم المياه التى سوف يتم تخزينها حتى لا تتسبب فى أضرار لدولتى المصب، مصر والسودان. أيضا يمكن فى نفس التوقيت السيطرة بجدية على مشروعات تعاونية بين مصر وإثيوبيا، منها الاتفاق على استيراد مصر للحوم من إثيوبيا بشكل دائم ومنتظم، كما يمكن لمصر أن تستغل مساحات شاسعة من الأراضى الإثيوبية لإقامة مزارع تستخدم فى تلبية احتياجات مصر من بعض المحاصيل، وفى هذا السياق يمكن التفكير فى تعاون مصرى خليجى فى توفير التمويل اللازم لمثل هذه المشروعات. المنطق الذى ينبغى أن نتبعه فى التعامل مع هذا الملف هو توسيع نطاق التعاون مع إثيوبيا لخلق مصالح مشتركة متعددة ومتشعبة، وكلما زادت هذه المصالح، تنوعت وتشعبت. وكلما مال الجانب الإثيوبى إلى التهدئة وجنح نحو التسوية السلمية للأزمة مع مصر كان ذلك أدعى للحل.
هذا الاقتراب فى التعامل مع المشكلات نجح فى تسوية الصراع بين فرنسا وألمانيا بعد أن تسبب صراعهما فى حربين عالميتين كلفت الثانية منهما البشرية قرابة خمسين مليون ضحية، فقد شكلوا اتفاقية الفحم والصلب لتحقيق تنمية مشتركة فى منطقة الحدود (الألزاس واللورين) وكانت الاتفاقية بذرة الاتحاد الأوروبى الذى أوشك على تحقيق حلم الولايات الأوروبية المتحدة. أيضا فإن نفس الاقتراب استعارته دول جنوب شرقى آسيا، وشكلت منظمة الآسيان التى وسعت من نطاق التعاون بين دول المنطقة على ما بينها من خلافات وصراعات معقدة ومتشعبة، وانتهى الأمر بعد تقدم التعاون وتشعبه إلى تسوية عديد من الصراعات بين دول المنظمة.
من هنا نطالب بوقف التصعيد فى ملف الأزمة مع إثيوبيا وتبنى رؤية جديدة على قاعدة الحد من الضرر الذى يمكن أن يلحق بأى من الطرفين، والبحث عن صيغ تعاونية جديدة تخلق مصالح مشتركة متعددة ستكون كفيلة بدفع الطرفين إلى البحث الجدى عن تسوية حقيقية للخلاف، النزاع أو حتى الصراع.
