ربما تدفع اعتبارات «تسويقية» المرشح الرئاسى حمدين صباحى للتمسك بالشعار الذى وقف من تحته قبل عامين باعتباره «واحد مننا». لا بأس، فالتسويق مسألة لها حساباتها الواجبة، خصوصا فى حملة انتخابية، وقد تكون رؤية الرجل هى تجيير نجاحه النسبى السابق والبناء عليه فى سباق لا يخوضه صباحى من البدء فى غير موقع «فرس الرهان».
لكنه لا مجال لأن يشكل حمدين خيارا حقيقيا يحظى بفرص واقعية للفوز، من دون أن يكون «مضمون» حملته أنه فعلا وقولا وفكرا: واحد «أحسن» مننا.
ما معنى أن يكون حمدين صباحى واحدا منا؟ سوى أن يكون مثلنا متخبطا، مثلنا هوائيا، مثلنا سطحيا، مثلنا محافظا بل متحفظا، مثلنا عايز يعيش وخلاص، مثلنا غارقا فى بلاغات الشعبوية وبلاّعات اللُّكْ لُكْ شو؟ سوى أن يكون مثلنا.. مابيعرفش؟!
نحن حقا يا جماعة نحتاج إلى واحد أحسن منا. وإلا.. لماذا هو رئيس جمهورية؟! لماذا لست أنا؟ أو أنت؟ أو السيسى؟ أو مدام إيمان؟ نحتاج إلى واحد له انحيازاته الواضحة -وهذه صفة «المرشحين»، أما حين يصبح «رئيسا» فلذلك حديث آخر يبتدئ عادة بأنه رئيس لـ«كل» المصريين- وله برنامجه الواقعى والجرىء فى آن معًا، وله أولوياته المبنية على قراءة عميقة وتفصيلية ورقمية وعلمية لوضع لحظتنا الحضارية وشروطها.
وضعت الظروف حمدين صباحى فى موقع المرشح الوحيد «الممكن» فى مواجهة المشير، لا بأس «ح نجيب مين منين يعنى؟!». لكنه يجب على حمدين أن يفهم أن هزيمة المشير ليست غرضا فى حد ذاته، ولا يجب أن نظل نصنع مستقبلنا انطلاقا من نظرية رد الفعل السلبى: أى أن يكون خيالنا محصورا فى «التفادى» بدل أن يكون متجها إلى «الخلق».
حمدين مرشح ممكن، لأنه حل ثالثا فى 2012 بواحد وعشرين فى المئة من الأصوات، وقرابة خمسة ملايين مؤيد. واليوم هو يترشح بينما الأول فى السجن، والثانى فى المول، والرابع الذى سرق من صباحى مليون صوت على الأقل فى 2012 أعلن عدم ترشحه. وأضف إلى ذلك اختفاء البرادعى.
وهو مرشح ممكن لأنه يمثل يناير منفردا، دون أن يكون خارج تصاوير يونيو ويوليو.
وهو مرشح ممكن، لأنه يعتبر نفسه أحق بعبد الناصر من منافسه، وهو فعلا أحق إن جئت للحق.
هناك إذن فرصة لحمدين، ليست كبيرة بعد، وإنما هى تنتظره لتكبر، وتنتظرنا أيضا كصناع للرجل وخطابه. عليه أولا أن يؤكد انتماءه الصريح ليناير وانتفاضته، وأن يقدم نفسه بهذا الاعتبار دون خجل أو اعتذار أو تحفظ. وفى هذا الإطار فإننى أطالبه وأقترح عليه التعهد من الآن بدراسة ملفات جميع المسجونين والمحبوسين فى قضايا ذات خلفيات سياسية و«ثورية» بغرض التدخل فيها رئاسيًّا -إذا فاز- بالعفو هنا والتخفيف هناك أو إعادة المحاكمات. وعليه ثانيا، بنفس الوضوح والفخر، أن يؤكد ناصريته طارحا ومفصّلا خطابه التجديدى لها، بعيدا عن مجرد الاكتفاء بوهج صورة فى إطار نقف تحتها. ثم عليه أن يطرح نفسه باعتباره مرشح «الحريات أولا» بالتوازى مع تصور استراتيجى للأمن الداخلى يعتمد على التحديث والتكنولوجيا ورفع مستويات التدريب والشراكة بين الجهازين الأمنى والحقوقى، واستبعاد أساليب «العاطل بالباطل» نهائيا. عليه أن يتخذ من «محاربة الفقر»، مثلا، عنوانا لفترة رئاسية أولى فى حال انتخبناه، وأن يأتى بتصورات اقتصادية جديدة وجريئة، وأنا أنصحه بتأمل نظام «الدخل الأساسى BASIC INCOME» وتجاربه فى العالم كوسيلة لاستبدال حنفية الدعم وتحقيق العدالة الاجتماعية وإصلاح سوق العمل وتحريك عجلة الاقتصاد. وعليه أن يعلن صراحة أن الإصلاح السياسى أمر غير متفق عليه حاليا فى مصر، ويحتاج إلى حوار وتدارس لمدة سنوات فى إطار بعيد عن السلطة ودوائر النفوذ.
ثم.. وهذه نقطة شائكة، عليه أن يحصل على «الصوت الإسلامى» دون أن يفرط فى أن مدنية الدولة ونظامها الوضعى أمر نهائى لا رجعة فيه ولا تفاوض حوله. فليحصل صباحى -وعليه أن يحاول على الأقل- من التيار الإسلامى على ما يلى:
- الالتزام بنبذ العنف والإرهاب وإدانتهما.
- الاعتراف بشرعية مطالب الشعب فى 30 يونيو وخطأ السلطة فى تجاهلها آنذاك.
- الالتزام بما نظمه الدستور والقوانين من علاقة -أو لا علاقة- الدين بالحياة السياسية.
أما ما يقدمه لهؤلاء فهو ذات الالتزامات ولكن من قِبَل الدولة، مصحوبة بإعادة النظر فى معايير الحملة الأمنية ونطاقاتها، والمحاكمات التى يواجهها قادة الإخوان والحركات الإسلامية «باستثنااااااء قضايا الإرهاب» ويمكن أن تنتهى باعتزال هؤلاء مثلا للحياة السياسية.
قلت إنها نقطة شائكة، ولكننى قلت أيضا إن «الرئيس» يجب أن يكون واحدا أحسن منا وأقدر منا وأفهم منا، حتى يتمكن من حل الشائك المستعصى على «العاديين» أمثالنا.
