لا أعبد ما تعبدون
لا أدرى هل ستسمحون بنشر هذا الكلام، أم لا؟ لكنى أتمنى أن يتسع صدركم لكلماتى، فأنا لا أعبر عن نفسى فقط، فثمة شباب مثلى يحملون نفس أفكارى، ويعانون من التعصب، وضيق الأفق المحيط بهم، والخانق لحريتهم الشخصية فى البحث، والتفكير، والاعتقاد كما يشاؤون!
وبالنسبة لى الموضوع قديم، فبداية من سنوات المراهقة، وأنا فى المدرسة، بدأت أتساءل عن أشياء كثيرة فى دروس الدين، تقدم لنا كتلاميذ باعتبارها مسلمات أو بديهيات! بينما هى فى الحقيقة أمور معقدة، وتحتاج إلى حوار ومناقشة وتفكير، ويمكن لنا أن نختلف حولها، لكن مجتمعنا الحالى، وبعد عقود طويلة، وربما قرون ممتدة من القهر والاستبداد، أصبح متعصبا جدا، ولا يقبل أبسط قواعد المنطق، كما لا يحتمل أى شكل من أشكال الخلاف، أو الاختلاف!
أذكر جيدا ما حدث لى -زمان- فى المدرسة، حين بدأت أتناقش مع مدرس الدين، حول موضوع السببية، إذ كان يشرح لنا أن كل شىء موجود فى هذا الكون، لا بد له من خالق أو صانع أوجدَه، فسألته بمنتهى البراءة: «طيب، ومن الذى أوجد هذا الخالق؟»، وبدلا من أن يرد علىّ بالمنطق ذاته، الذى كان يدعى أنه يشرحه لنا، إذا به يتهمنى بالكفر والفسوق والعصيان!
إن نظامنا التعليمى متخلف جدا، وقد خلق بداخلنا عقولا مصمتة، تربت طويلا على النقل والحفظ والتلقين، ومن ثم لا تحتمل التفكير الحر، وترفض أى فكر مختلف عن النمط السائد بين الناس، ولا تقبل -كذلك- بقواعد المناقشة الموضوعية، فكلما تحاورت مع الناس، أفرادا كانوا أو جماعات، وجدت الغالبية العظمى منهم عقليات ببغائية، تحفظ مجموعة من النصوص والمقولات، وترددها كما هى بالضبط، بلا فهم، ولا نقد، ولا تمحيص!
لم أعد أتحدث مع أحد من هؤلاء، فسبل الحوار بيننا مسدودة، والنتيجة معروفة مسبقا، وهى الانتقال بسرعة شديدة من الحوار العقلانى بواسطة الحجج المنطقية إلى انفلات الألسن باللعنات والسباب، مع ترديد الاتهامات الجاهزة، فأسهل شىء نفعله، حين ينقصنا البرهان القاطع، أو الحجة المنطقية، هو أن نتهم- فورا- من يختلف معنا بكل نقيصة، وأولها طبعا الكفر البواح!
ومن يتأمل فى بعض النماذج المطروحة على الساحة، من أولئك الذين يظهرون أمامنا كممثلين للدين، يرى أناسا يتكالبون على متاع الدنيا، ويسعون وراء مصالحهم الخاصة، فحياتهم الشخصية فى السر، تختلف تماما عما يقولونه للناس فى العلن، كما أن نفاقهم الفج لأهل الحكم، وتزلفهم إلى أصحاب السلطة، وتملقهم لذوى النفوذ، شديد القبح، واضح الفُجر!
وقد شاهدنا الحكام، فى مصر، وهم يسقطون واحدا وراء الآخر، لكن نفاق رجال الدين لمن يتبوأ مقاعد السلطة، لا يتوقف عند حد، ومن يمدحونه اليوم، يذمونه إذا سقط غدا! وانظر جيدا إلى الدور الذى لعبه رجال الدين على مر التاريخ الإنسانى كله، وسترى العجب العجاب.
لقد أتيح لى أن أسافر إلى أوروبا، التى تحررت، منذ قرون، من سطوة رجال الدين، وهناك تعاملت مع مجتمعات أخرى، أكثر انفتاحا وتحضرا وإنسانية، فوجدت حرية العقيدة بديهية من بديهيات الوجود البشرى. فلا أحد يتدخل فى عقيدة الآخر أبدا، ولا فى حياته الشخصية، فمتى نتعلم فى بلادنا معنى حقوق الإنسان؟!
ثم وجدت، فى السنوات الأخيرة، بعض مواقع التواصل الاجتماعى على شبكة الإنترنت، وبها أعداد كثيرة، تتحدث بصراحة فى كل القضايا الدينية، فحرية العقيدة -بما فى ذلك الكفر ذاته أو الإلحاد- أصبحت متاحة من خلال الفضاء الإلكترونى، صحيح كل منا يخفى شخصيته الحقيقية، لكننا نتحدث بصراحة، ونتحاور بحرية، ونُعبر عن أنفسنا بمنتهى الوضوح، بينما مجتمعنا ما زال يضع رأسه فى الرمال، ويرفض بشدة أن ينال الإنسان فى بلدنا أبسط حقوقه، أقصد حقه فى الاعتقاد بما يشاء من معتقدات تقنعه شخصيا، أو تريحه نفسيا!
وكما يعانى أصدقائى «الأحرار» ممن ينتمون إلى عائلات مسلمة، كذلك يعانى نفس المعاناة، وأحيانا أشد، من ينتمون إلى أسر مسيحية! فمشكلة التصلب الفكرى، والتعصب الأعمى، متأصلة فى جذور مجتمع عليل، ما زال يرزح تحت عبء الأمية، والجهل، والفقر، والمرض.
إن الدين -وأقصد بذلك أى دين- يجب أن يسمح للبشر بحرية الاعتقاد، إذ إن العقيدة، لا تستقر فى داخل النفوس بواسطة جبروت السلطة، ولا من خلال بطش القوة، ومن ثم لا يصح أبدا أن يقوم دين على قهر الناس على اعتناقه.
ولا أدرى كيف يفكر هؤلاء المتعصبون الجهلاء؟! فى حين أنه مذكور فى الكتاب: «لكم دينكم ولى دين»، و«من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر». و«ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين».
حواديت ملتصقة بالأسفلت!
ولدت بالقرب من النيل، وعشت طوال طفولتى وصباى وشبابى، أسعى إلى جواره، وأتنزه على ضفافه، وأتأمله بإعجاب وافتتان، ومن ثم عشقته بجد، كما أحببت شوارع القاهرة القديمة والجديدة.
ومن عادتى اليومية أن أمشى قبل الغروب، وأتنقل بين ميادين القاهرة وشوارعها، لكن ما كان يحدث لى قبل الثورة اختلف تماما، عما يحدث معى الآن!
فقبل الثورة، كنت وأنا أسير فى شوارع القاهرة، أتأمل فى وجوه الناس، أو أنظر إلى واجهات المحلات، أو أتابع حركة السيارات، أو أسرح بخيالى بعيدا عن الواقع المحيط بى!
أما الآن، فلا أتحرك فى شارع من شوارع العاصمة إلا وأتذكر تفاصيل ما شاهدته من وقائع الثورة وأحداثها الدامية. إذ لا يمكن أن أمر بميدان التحرير، دون أن أتذكر ما جرى من أحداث، بداية من تجمعنا المدهش فى مساء يوم الثلاثاء 25 يناير، وما حدث من هجوم وحشى علينا، من قوات الشرطة المدعومة بالبلطجية، ومعنا يومئذ سيدات وفتيات، وقد حدثت عملية فض الميدان بعد منتصف الليل، وبمنتهى العنف والقسوة.
لكن بعد عصر يوم الجمعة 28 يناير، تمكنا من دخول ميدان التحرير، مرة أخرى، بعد اشتباكات عنيفة فوق كوبرى قصر النيل، ومعارك دامية فى ميدان رمسيس، ومواجهات كثيرة فى مختلف شوارع مصر وميادينها، حتى بدأت تظهر بوادر انهيار جهاز الشرطة، وتوالى هروب الضباط والجنود، بعد خوضهم لمعارك غير متكافئة مع جماهير الشعب الأعزل!
ثم بدأنا أعظم اعتصام شهدته مصر على طول تاريخها، وتجمع خيرة أبناء المحروسة للدفاع عن حرية الشعب وكرامته، وصمدنا بمعجزات عديدة أمام هجمات البلطجية المأجورين من نظام يتخبط وهو ينهار، ثم حدثت موقعة الجمل الشهيرة، التى استمرت طوال يوم الأربعاء 2 فبراير، وحتى صباح يوم الخميس، وكانت تضحيات الشهداء، وبطولات الجرحى، ثمنا غاليا دفعناه لتحقيق الانتصار لثورتنا النبيلة.
إلى أن جاء يوم النصر الأكبر، يوم 11 فبراير، وتركنا الميدان بعد ثمانية عشر يوما، وعدنا إلى بيوتنا بعد أن تأكدنا من نجاح ثورتنا، ثم بدأنا -بعد ذلك- نُدرك أن أهداف ثورتنا لم تتحقق بعد، فعدنا إلى ميدان التحرير فى مليونيات متتالية، وتواصل الكفاح السلمى، ورسمت الدماء الذكية صورا وأشكالا ومشاهد لا تمحى فى شوارع مصر، على مدى ثلاث سنوات طويلة.
ولذلك لا يمكننى أن أمر بالقرب من مجلس الشعب، أو مجلس الوزراء إلا وأتذكر ما حدث هناك وقت فض الاعتصام، ولا أسير فى شارع محمد محمود إلا وأتذكر أحداث معاركه الأولى والثانية، وإذا ما مررت أمام مبنى ماسبيرو، تذكرت على الفور المذبحة البشعة، وإذا ذهبت إلى العباسية، تعود بى الذاكرة إلى أيام الاشتباكات فى الميدان، وبالقرب من وزارة الدفاع!
وفى مصر الجديدة أيضا، عند قصر الاتحادية، حيث حدثت أول اشتباكات، أراها بعينى، لا تتدخل فيها قوات الشرطة، ولا قوات الجيش، إذ كانت المعركة -للأسف الشديد- بين مواطنين مصريين، لا فرق بينهم، سوى أن كلا منهم يقف فى جانب، وينظر إلى الطرف الآخر باعتباره عدوا تجب هزيمته!
وحتى فوق جبل المقطم، حدثت مشاهد لا تنسى، واشتباكات ومواجهات عدة، إلى أن وصلنا إلى 30 يونيو، ثم 3 يوليو، وقبلهما اعتصام رابعة، واعتصام النهضة، اللذان استمرا على مدى أسابيع طويلة، ثم جاءت مذبحة الحرس الجمهورى، وبعدها مذبحة أخرى عند المنصة، وتلاهما الفض الدموى لاعتصامى رابعة والنهضة! فكم من الدماء سالت على أرض المحروسة فى هذه الأحداث المتتابعة؟!
شوارع مصر وميادينها أصبحت، بالنسبة لى، ساحات رويت بدماء المصريين الأبرار، بغض النظر عن الموقف السياسى لأى من الشهداء أو الجرحى! فأنا أتحدث الآن كمواطن مصرى، شاهد أحداثا مهمة فى تاريخنا المعاصر، ولا يمكن أن ينساها، ولا يصح أيضا، أن تمر بنا مثل هذه الوقائع الخطيرة، دون أن تُسجل فى ذاكرة الوطن، ودون أن تعيها الأجيال التالية، فبغض النظر عن موقفك الشخصى من الأحداث، أو رؤيتك السياسية لحقيقة ما يحدث، فهذه تضحيات كبرى قدمها شعب كريم، من أجل أن ينال حريته، وينتزع حقوقه، ويبنى دولته الحديثة.
ولذلك عندما أسير -الآن- فى شوارع مصر، وأرى هذه الصور الكثيرة المعلقة هنا وهناك، فوق الكبارى، وأعلى المبانى، ووسط الميادين، أنظر إليها وأتساءل: هل قدم شعبنا الطيب كل هذه التضحيات من أجل أن نعود هكذا عقودا إلى الوراء؟!
ما أتذكره من تاريخ الثورات، وما أعرفه عن شعبنا الحليم، يجعلنى على يقين من أن أرواح شهدائنا الأبرار، وتضحيات مصابينا الأبطال، لن تضيع أبدا، وكل من شارك مثلى فى أحداث الثورة، وهؤلاء عددهم بالملايين، مستعدون أن يواصلوا الكفاح، لسنوات قادمة، حتى تتحقق أهداف الثورة، ونبنى مصر الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان.
