قبل سنة تقريبا، وفي مطار أتاتورك، في اسطنبول، خلعت الحجاب بعد 18 سنة من ارتدائه. كانت القضية سهلة بالنسبة لي، لأنّني، في ذلك الوقت، كنت قد أمضيت ثلاثة أعوام، وأنا أضع الحجاب قسراً، لعدم امتلاكي الشجاعة لمواجهة أهلي والمجتمع.
نشأت في عائلة متدينة جداً، لم تكن قادرة على تقبل ابنتهم بدون حجاب.
غادرت سوريا. وفي الطريق إلى العاصمة السويدية 'استوكهولم'، خلعته. لم أرغب بأن يتهمني أحد، بأنّ الغربة هي التي دفعتني لذلك، لأن هذا القرار كان قراري، كان سورياً خالصاً.
لا أتذكر تماما كيف كانت اللحظات الأولى لخلعه، لكنها لم تكن، وكأنني أطلقت شعري للهواء، وشعرت بالحرية، كما سبق لي أن شاهدت في فيلم سينمائي.
القصة أعمق من ذلك بالنسبة لي، وتلامس أهم مراحل حياتي تقريباً. تبدأ منذ كنت في الحادية عشرة من عمرين عندما ارتديت الحجاب لأول مرة. في ذلك الوقت كنت طفلة في قمة البراءة، وغير قادرة على استيعاب الفروقات بين الجنسين بشكل كامل. ولكنني، بين يوم وليلة، أصبحت امرأة، ودخلت مفاهيم الحشمة و الفتنة إلى حياتي. ولكن، بنفس الوقت، كان من المفروض أن أبقى بريئة.
- لماذا يجب أن أرتدي الحجاب؟
- حتى لا ينظر إليك الرجال
- لماذا سينظرون لي؟
لا جواب.
طفلة، في الحادية عشرة من عمرها، مطالبة بارتداء غطاء جديد على وجهها. وعند رؤية ابن عمي، الذي كنت ألعب معه قبل أيام في مدخل البناء. وأصبحت غير قادرة على ارتداء ملابسي السابقة التي أصبحت بحاجة لتعديل.
ربما لم يفرض الحجاب علي قسراً، لم يتم ضربي، ولكن لا يمكن أن يوصف بأنّه خياري الشخصي. ومع مرور الأيام اقتنعت به، لأن صديقاتي ارتدينه مثلي.
الحجاب في بيئة مماثلة لبيئتي، لا يتمثل فقط في قطعة القماش التي تغطي الرأس. الحجاب هو ثقافة كاملة تدعو للاحتشام. وتحرم الفتاة من الاختلاط، والتعامل مع الذكور. ثقافة تضع المرأة في دائرة الهدف، والحجاب يحميها.
لا يوجد عندي الكثير من الكلام عن المراهقة في تلك المرحلة. أصبح الحجاب أساسياً، وبديهيا، بالنسبة لي. وترافقت مراهقتي مع انتمائي لتنظيم 'القبيسيات' الإسلامي المتشدد، المكون من النساء فقط. وكانت أفكارهنّ عن التدين وعن الحياة محل اعتراضي الدائم. وهنا بدأت بالبحث، وكان الحجاب أحد محاور هذا البحث.
بعد تخرجي في الجامعة، امتلكت رؤية أخرى للدين، مختلفة بشكل كامل عن الرؤية التقليدية، التي نشأت عليها. رؤية أكثر بساطة في التعامل مع الحياة، وأكثر تلقائية، وفيها فسحة أكبر للحرية، والتفكير في كل شيء وأي شيء.
هذا التحول كان له أثر كبير على كل محاور حياتي. بداية من عملي في مكان يتطلب الاختلاط، والتعامل مع الرجال بشكل يومي، مروراً بشعوري بأنّ لي قيمة، لا يقللها كوني امرأة، وقدرة لا تقل عن قدرات الرجال، ومشاعر لا تقاس بالدعوات، وصولاً إلى أنّ الأخلاق و قيمتي البشرية لا تقاس أبداً بحجابي. عندها وصلت لقناعة، أنني لا أحتاج فعلياً لارتداء الحجاب، وأنّ خيار خلعه وارد.
إلى الآن، وبالرغم من أنّي خلعت الحجاب خارج سوريا، وأقيم في قارة أخرى، فإنني أتعامل بتحفظ مع هذه الحقيقة، وأعاني من ضغوط عائلتي. يعتقدون أنني ارتكبت إثماً لا يغتفر، خاصة بوجود أقارب يتهمونني بأني خلعت الحجاب، لمجرد الرغبة في الخروج عن قواعد الأخلاق.
لكن أصبحت حياتي أقل تعقيداً، و أكثر سهولة، وأنا اليوم أكثر تصالحاً مع ذاتي ومع قناعاتي. وأعتقد أن الموضوع يستحق هذا الثمن.
أحترم خيار أي سيدة بخلعه أو ارتدائه. لأنه حرية شخصية. لكني لا أتقبل حجاب الصغيرات. يجب أن تكون حياتهن أكثر حرية.
