يخصُّنا الكاتب والباحث عمار على حسن بنشر روايته الجديدة «السلفى» على صفحات الجريدة، وذلك تزامنًا مع إصدار الطبعة الرابعة من رواية «شجرة العابد»، التى نالت جائزة اتحاد الكتاب منذ أيام وحظيت باهتمام نقاد كبار، وحصلت على عدد كبير من الجوائز فى مجالَى الإبداع الأدبى والفكرى.
ومؤلف «السلفى» كاتب وباحث فى العلوم السياسية، تخرج فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ولديه عدد من المؤلفات الخاصة بدراسة الجماعات الإسلامية فى مصر والوطن العربى، كما أنه كتب عددا من المؤلفات الإبداعية، منها روايات «حكاية شمردل»، و«جدران المدى»، و«زهر الخريف»، و«سقوط الصمت»، إضافة إلى مجموعات قصصية هى «عرب العطيات»، و«أحلام منسية».
العتبة الخامسة
انظر، يا ولدى، هناك فى هذا الطرف الفسيح لقريتنا، حيث حكاية تروى عن ذلك البيت الوسيع الذى أناخ عليه الدهر، وتلك الجميزة الوارفة التى كانت تبدو غابة كاملة، والآن قد سكنها البوم، وانقطعت ثمارها، وهزت الريح أفرعها بقسوة حتى صارت جرداء، إلا من بعض أوراق تدل على أيام مجدها الغابر.
البيت والشجرة كانا لعائلة لا أحد يعلم منبع ثروتها على وجه اليقين، فهناك من يتحدث عن سرقة كبيرة أطلقت لها رحلة التمكين، وهناك من يقول: كانوا بارعين فى تربية الجاموس والبغال، ومن عمليات بيع وشراء، تتابعت كأيام السنة، امتلأت القدور بالمال، فاشتروا الأرض وبنوا الدور العالية الوسيعة، وذهبوا إلى صاحب السلطان يطلبون العُمِّدية فمنحها إياهم.
فى طفولتى رأيت عمدتهم قبل الأخير، كان رجلًا فارع الطول ذا وجه مثلثى، يمشى الهوينى، ولا يلقى السلام على أحد، وحين تراه النساء يسحبن أغطية الرأس على وجوههن فى خفر، ثم يختبئن فى أى جحر يتهادى أمامهن. أما الرجال فيقفون متطلعين إليه كى يحييهم، بلا جدوى، والراكب منهم يترجل، ويجر الحمار وراءه ثم يسرع الخطى مبتعدًا عن مسار العمدة. وفى المواسم يأتى إليه التجار من البندر يتسابقون على محاصيل أرضه، والغلال التى جمعها هو من الفلاحين بثمن زهيد.
أما أخوه الأصغر، واسمه «حيدر»، فكان على النقيض من ذلك. ربعه وذو وجه مستدير عبوس وأنف أفطس قليلًا، ما إن يظهر فى الشارع حتى تغلق النساء الدور، بعد ما وصلتهن أطراف أخبار عن شهوانيته. وحين يجلس إلى الطعام يأكل بأصابعه العشرة، ولا يقيم علاقة إنسانية مع أى كائن سوى بغله، الذى يتخالط فى شعره الأبيض والأسود والرمادى، يركبها ويرمى ساقيه نحو الفراغ وهو يجرى يدك الأرض، غير عابئ بالأطفال المنزلقين من عتبات المنازل إلى أنهار الشوارع الضيقة.
ويراه الناس فوق بغله فيهمسون:
- يتشابهان فى العناد والعقم والشحيج والرفس.
ويوم أن مات أخوه الأكبر لم يذهب خلف الجنازة إنما جلس مكانه على الكرسى، ونظر إلى كل من حوله والدهشة تعلو وجوههم، وأطلق ضحكة طويلة رقيعة، ثم طلب أن يأتيه شيخ الخفر على عجل. ولما آتاه يلهث، ووقف أمامه وفى عينيه انكسار، نظر إليه بتبلد شديد ثم صرخ فيه:
- اجمع الخفر.
ولاذ الرجل بالصمت، ودخل فى نفسه، ولم يجد ردًّا، بل صدرت عنه همهمات انداحت فى آذان الواقفين غمغمة مكتومة، ثم استدار وذهب لينفذ ما أُمر به، لكن الجالس على الكرسى صرخ فيه:
- لا تعطنى ظهرك وأنت تخرج.
فالتفت إليه، بعد أن فاض به الكيل، وسأله فى صوت خفيض:
- لحم أخيك طرى فى تربته، والحكومة لم تعين عمدة بعده.
عندها قهقه، ثم زم شفتيه، وداس على ما بقى من أضراسه، وصرخ فيه:
- أنا العمدة.. هذه مسألة محسومة.
وجاء القرار الإدارى فعلًا بتعيينه مكان أخيه، فركب البغل، وتجول فى كل شوارع القرية وحواريها، وأمر الناس أن يتركوا البيوت مفتوحة، وأن تزغرد النساء فرحًا بقدومه، ويرقص الرجال، ويهلل الأطفال. اغتصب الأفراح فى كل الأرجاء، ورفع بوزه فى وجه الناس، ولم يلق السلام على أحد. وبينما الناس يتراقصون ألمًا جاء المأمور على حصان بنى، فلما رآه راكب البغل، نزل سريعًا، وجرى إليه، ووقف عند قدميه وقال:
- بلدنا نورت يا سعادة البيه.
ثم تطلع إليه ليلتقط كل حرف يتساقط من شفتيه، لكنه فوجئ به يسأله:
- كيف أخبار البغل يا عمدة؟
- بخير يا أفندم.
فضحك المأمور، وقال:
- لو الأمر بيدى لعينته مكانك.
ولسعه الكلام، لكنه لم يجرؤ على الرد. ورأه المأمور يتضاءل أمامه فأشفق عليه، وحكى له أمام الناس عن الإمبراطور الرومانى كاليجولا الذى عين حصانه فى مجلس الشيوخ وأجبر أعضاءه على أن يأكلوا التبن مثله. ثم ضحك المأمور وأنشد يقول:
«فأوصيكم بالبغل شرًا فإنه
من العير فى سوء الطباع قريب
وكيف يجىءُ البغلُ يومًا بحاجة
تسرّ وفيه للحمار نصيب؟»
وما إن انصرف المأمور حتى انشغل العمدة الجديد بالأمر، وعاش أيامًا شاردًا، قل فيها طعامه وزاد إقباله على التدخين واحتساء الخمر، وانعزل أيامًا عن أهله وعشيرته حتى ظنوا إن جنونًا قد مسّه. لكن شكوكهم تأكدت تمامًا حين وجدوه ذات صباح قد وضع عمامة كبيرة على رأس البغل، ولفه فى ثياب كبير من الحرير الأخضر، ثم سحبه نحو كرسيه العريض، ودفعه برفق وهو يطيعه حتى استقرت مؤخرته فوق الكرسى، وأشاح برأسه فى وجوه الواقفين، ثم جلس تحته وراح يقول لهم:
- تقدموا لتبايعوا حضرة العمدة الجديد.
وما لا تعرفه أنت يا ولدى أن أول من بايع كان أسعد. ورغم أن أميره وشيخه وبخه لأنه «لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق»، ولأن العمدة فى نظره رجل كافر فاسق، يحكم فى الناس بغير ما أنزل الله، فإن أسعد قال لأمير الجماعة:
- أريد أن أتجنب شره.
يومها سخر الأمير منه، كما بلغنى فى ما بعد، وقال لـ«أسعد» بعينين تقدحان شررًا:
- قمنا لنسقط الحاكم الكبير، رئيس هذه الدولة الكافرة، فإذا بواحد منا يبايع مجرد عمدة قرية على السمع والطاعة.
ليلتها قضى «أسعد» ساعات بين كتب صفراء يبحث عن تبرير لما فعله، أو «تخريجة» من المأزق الذى وجد نفسه فيه، حتى عثر عليه مكتوبًا فى سطر تنتهى به صفحات طويلة من كلام غليظ، فحفظها عن ظهر قلب، وذهب فى الصباح بخطى واثقة وقال للأمير:
- له منى طاعة الأمراء، ولك طاعة العلماء.
لكن كلامه لم يزد أمير الجماعة إلا سخرية واشمئزازًا. أنصت إليه حتى فرغ من كلامه ثم قال له:
- فارقت جماعتنا، وأقلناك من بيعتنا.
وطرده شر طردة.
لم يحلق «أسعد» لحيته بل تركها حتى صارت أطول من لحيتك يا ولدى، ولم يطلق أى قدر من وداعة فى ملامح وجهه، ولم يسكن عينيه أى اطمئنان، بل وجد ضالته فى رجل آخر، لحيته أكثر طولًا، وكرشه أكبر، وكذلك سنه. إنه واحد من الرجال الذين كانوا يأتون إلى قريتنا بين حين وآخر يدعون الناس إلى الصلاة. ربما هو الرجل الذى هرب منه «سليم السويركى» ذات يوم حين طلب منه أن يتبعه إلى الجامع.
وفى المساء ذهب «أسعد» إلى بيت العمدة وقال له:
- انضممت إلى جماعة التبليغ والدعوة، وشيخها يستأذنك فى أن تصلى معه العشاء.
وأرغى العمدة وأزبد، وسحب نفسًا طويلًا من الشيشة الواقفة إلى جانب فخذه كخفير الدرك، وقال:
- اذهب أنت وشيخك إلى جهنم.
لم يغضب «أسعد»، يا ولدى، بل امتلأ بأيام الرعى، واستحضر مآثر الخروف الكبير، ورد بصوت لا يكاد يسمعه غيره:
- تحت أمرك يا عمدة.
الوحيدة التى كان العمدة ينتفض حين يراها هى الشيخة «زينب»، وهى الصوت الأعزل فى البلدة كلها الذى كان بوسعه أن يسمعه سم الكلام. تسبه وهو يضحك. تقبض يدها فى وجهه وتقول له: غور، فتنفرج أساريره، وأحيانًا كانت تلقى على صدره حصى صغيرًا، وتقول له:
- أتانى من جهنم مخصوص لك.
يوم ماتت كان أول مشيعيها. تقدم وحمل مقدمة النعش، ورفض أن يستبدله أى أحد من رجاله. كان يمشى متعثرًا فى دموعه، حتى وصلت الجنازة إلى المقبرة. أصر أن ينزل بنفسه إلى الحفرة التى جهزها الرجال، وراح يشق تحت الحصى المتماسك شقًا على قدر جسدها النحيل، ثم طلب منهم أن يرفعوها من الخشبة، وحطها بيديه، وأغلق عليها بأحجار متساوية، ثم صعد، وقال للناس:
- لن يردم قبرها غيرى.
أعطوه الفأس، فراح يهيل التراب حتى استوت الأرض، ثم رش فوقها الماء، وغرس الصبار، وبعد أيام بنى فوقها شاهدًا عظيمًا.
فى طريق العودة، وجده الناس يخرج من جيب جلبابه الكشمير الأسود حصوات كثيرة، ويرميها فى كل الاتجاهات بقوة وقسوة، وهو يبكى بحرقة، كطفل أخذوه من حضن أم رؤوم.
هل تعلم يا ولدى من أين اصطحب هذه الحصوات؟ ولمَ رماها؟ لا أعتقد أن بوسع خيالك أن يصل إلى الحقيقة، فأنت لا تؤمن بأن الله قد منح بعض عباده طاقة روحية فائقة، وتقول إنها أساطير الأولين.
العمدة نفسه هو من أفشى السر. قال للذين سألوه عن سر الحصى الذى رماه فى طريق عودته من المقبرة:
- وجدتها فى جيب كف الشيخة «زينب»، واعتقدت أنها كانت تختزنها لترمينى بها، فأخذتها ورميت بها إبليس اللعين.
بعد أيام باع البغل الذى أجلسه ذات يوم مكانه ليحكم الناس، وجاء بخطاط ليكتب على حائط السلاملك «بيت العدل»، وتزوج من امرأة فقيرة، لم يصدق أهلها أنه طلب يدها، وإلى الآن لا يدرون كيف صاهروا الجاه والمال. وأنجب منها أربعة أولاد وبنتين سمى الكبرى «زينب»، وانتظم فى الصلاة. فى مواسم الحصاد يوزع الغلال، وفى كل المواسم يوزع الابتسامات وطيب الكلام. وفى ليالى رمضان يأتى بمقرئى القرآن من البندر يرابطون ثلاثين ليلة، ويضج الديوان بالساهرين، ويوزع عليهم بنفسه الطعام والشاى والحلوى. وأحيانًا كنت أراه جالسًا على كرسيه فى ساعة العصارى، حوله ماء مرشوش، وفى يده كتاب، وبعد أن كبرت عرفت أنه كان يشترى كتب دين وروايات ودواين شعر وكتبًا فى السياسة من مكتبات البندر، فذات يوم أدخلنى مخدومه عطا الله غرفة وسيعة، عليها أرفف تنام فوقها كتب مرصوصة بعناية، وقال لى:
- كتب البيه الله يرحمه.
أرأيت يا ولدى، كيف يجب أن لا نتعجل فى الحكم على خلق الله؟ طالما قلت لك هذا وأنت ترمى بعض أساتذتك فى كلية الهندسة بأنهم كفار، وأن قتلهم واجب. كنت تدوس على أضراسك، وتقول:
- هؤلاء لا يعرفون إلى الله سبيلًا.
وكنت أرد عليك:
- لا يعلم السرائر إلا ربك، فلا تتعجل.
أتتذكر كلامى هذا؟ لا أعتقد أنك قد نسيته، لكنك ربما تجاهلته، وسخرت منه فى رحلتك المريرة من مقاعد الدراسة إلى كهوف أفغانستان ثم إلى صحراء ليبيا. كم واحد منهم مثل عمدتنا؟ هذا إن اعترفنا أصلًا بأن وصفك لهم صحيح. هذا الوصف الذى ظل يملأ رأسك، ولم تتنازل عنه أبدًا، وأنت توغل فى العمى، وتغلق أمام الخطائين باب التوبة، مع أنك مضيت حاملًا خطيئة تلو خطيئة فوق ظهرك، وتلطخت يداك بدماء الأبرياء، ولم تقف برهة لتلتقط أنفاسك، أو تراجع نفسك مثلما فعل رجل، ملك الجاه والمال، لكنه فى لحظة اهتز قلبه، وفاضت عيناه، وتبدلت أحواله.
العتبة السادسة
أترى البيت كالح الجدران يا ولدى؟ انظر إليه جيدًّا، وطالع آثار الأيام، وتلك العبارة الباهتة المتآكل نصفها المكتوبة بخط أحمر نشع عليه سواد السنين. إنه بيت عبد الرحيم، الذى إن طرقت بوابته العالية ستخرج لك سيدة تمشى متثاقلة بقدمين مقيدتين بعمرها المترع بالشقاء. إنها سلوى، موظفة البريد، وعائلة الدار الذى رحل رجاله تباعًا. الكبير مات ودفنت معه حكمته وصمته وأدبه الجم. الابن الأصغر سافر إلى الإمارات وأخذته مزارع «العين» وفتيات الهوى الروسيات فى «دبى» والابن الأكبر يسير فى الشوارع حافيًّا يكلم نفسه بعد أن تداعت فتوته العارمة. بنتان تزوجتا فى قرى بعيدة، ولم تبق سوى سلوى هذه، التى تأكل من كتابة رسائل التلغراف، وترتيب أظرف الخطابات التى يرسلها رجال قريتنا الذين شدوا الرحال سعيًّا وراء أرزاقهم الشحيحة.
قد تعتقد، يا ولدى، أننى سأضيع وقتك فى الحديث عن سيدة عادية، وحكاية عابرة أو متكررة، تتعثر فيها أذنك أينما حللت، لكنك لو صبرت علىّ قليلًا ستجد أن ما جرى لسلوى يهمك كثيرًا، وقد تلفى فيه عبرة، إن كنت لا تزال بحاجة إلى نصيحة من والدك، الذى أعطيته ظهرك سنين، ورحت تفتش عن الخلاص فى الكهوف البعيدة التى يسكنها الشر والدم وكوابيس النهار.
تزوجت سلوى من قريب لها أتى من البندر، كان يعمل سائق عربة نقل، لكن طيشه لم يؤمِّن له دخلًا مستقرًا، فوجد فى راتب زوجته البسيط، ودخل حديقة صهره الصغيرة وقطعة الأرض المحدودة التى يمتلكونها فرصة للعيش من دون عناء.
كان يقضى نهاره جالسًا عند مدخل القرية، يرد سلام العابرين بلا عناية، أو يذهب أحيانًا إلى قطعة الأرض البور ليلعب كرة القدم مع الغلمان، وفى الليل ينقطع إلى طاولة الدومينو حتى مشارف الفجر. واستمرت حياته هكذا شهورًا قليلة، وذات ليلة قرر أن يهاجر إلى العراق.
هاجر مثلك دون أن يخبرها بشىء، لم يقل لها ماذا سيعمل هناك؟ ومتى سيعود؟ جمع كل ملابسه، حتى البيجامة التى ارتداها بعد أن فض بكارتها، والشبشب الجلد الذى طالما طرقع به على المسارات الصلدة فى شوارع قريتنا المتربة. وقف عند الجسر ينتظر صديقًا قادمًا من البندر على دراجته البخارية، فركب خلفه ومضى دون أن يسلم على أحد، ودون أن يلتفت ليودع البقعة التى حفرت مقعدته فيها مكانًا وهو يروض الوقت فى جموده العتيد.
غريب جاء وأغرب مضى.
وترك لها ذكريات أليمة، وعبارة كانت ترددها كلما سألها الناس عن خشونة طبعه: «ضل رجل ولا ضل حيطة».
طال غيابه، ولم يكتب لها حرفًا واحدًا، لكنها كانت تكذب وتقول للناس:
- جاءنى اليوم خطاب منه يشكو لوعة الفراق.
أتذكرها الآن يا ولدى، حين كانت شابة لم ترو كل ظمأها وهى تنتظر بلا جدوى، وأشفق عليها، بل أجد فيها بعض السلوى، لأنك أيضًا ذهبت دون وداع، ولم تكلف نفسك وأنت جالس تحت ظلال جبال «تورا بورا» العالية أن ترمى لى حرفًا على قصاصة ورق، وتدسه فى يد أحد من رفاقك ليلقيه فى أى صندوق بريد، إلا مرة واحدة، وصلنى منك خطاب، هو الأول والأخير، فتجمد بصرى.
الحلقة السابعة.. الثلاثاء القادم
