الملاحظ والمتفق عليه، أن كل هذه الانفجارات لم تحصد إلا ضحايا أبرياء، بعضهم شبانا وشابات في باكورة العمر لم يقترفوا أي ذنب أو جريمة إلا خطيئة المرور في التوقيت المميت الذي أودى بهم! وأقول المتفق عليه، لأن في لبنان ما هو متفق عليه وما هو غير متفق عليه..والمتفق عليه من معظم الأطراف أن التفجير حرام ومدان ومرفوض.
لكن غير المتفق عليه هو تفجير المناطق الجغرافية التي تعرف بالبيئة الحاضنة للمقاومة، وبالتالي الداعمة لحزب الله، والتي عليها أن تدفع ثمن مشاركة الحزب في الأزمة السورية! وهي المهمة التي تحملها على عاتقها حاليا بشكل رسمي ومعلن"كتائب عبدالله عزام" السلفية التكفيرية، التي أعدت وجهّزت للمهمة شبابا "انتحاريين" بات اللبنانيون يعرفونهم جيدا ويعرفون طريقة تفكيرهم التكفيري..إذ أن الانتحاري الذي فجّر نفسه قرب السفارة الإيرانية(معين أبو ظهر)هو شاب من مدينة صيدا ينتمي لعائلة معروفة..والشاب الذي جهّز معظم السيارات المفخخة هو عمر الأطرش الذي اعتقله الجيش اللبناني مؤخرا، واعترف بالأمر،وأكثر من ذلك، دل الأجهزة الأمنية على السيارات الأخرى التي كان أعدها للتفجير!! فتمّ ضبطها وتفكيكها لاحقا!.
سيناريو السيارات المفخخة بات مكشوفا جدا في لبنان وبات حديث الناس وهاجسهم الأول.. والمشكلة أن الطرف المفجر يخطئ أهدافه بامتياز!! مما يثير جوا من النكات على الموضوع رغم مأساوية الأحداث..فإنتحاري مدينة الهرمل فجر نفسه أمام محطة الأيتام للوقود! وانتحاريا حارة حريك فجرا نفسيهما أمام مطعم ومحل للورد..أما انفجار هذا الصباح، فهو بمقدار قربه من المستشارية الثقافية الإيرانية فهو يقارب دار الأيتام الإسلامية التابعة للوقف السني في بيروت! والتي أصيب العشرات من أطفالها الأيتام بجراح مختلفة!..هذا الجو السائد اليوم- وعلى عكس ما يطمح اليه منفّذو التفجيرات- يخدم البيئة الحاضنة للمقاومة بامتياز إذ يظهر مظلوميتها ومعاناتها أمام تفجيرات بشعة تستهدف يوميات ناسها البسطاء، فإذا كان للمفجرين ثأر مع حزب الله، فإنهم لم يفجروا مقرات عسكرية له ولا آليات أومقاتلين..ويحدث أنني مع كتابة هذه السطور أشاهد على التلفاز مباشرة محاولات إنقاذ وإخراج الأيتام من مؤسستهم وبعضهم من ذوي الحتياجات الخاصة! ناهيكم عن بكائهم وهلعهم ودموعهم..فأي تفجيرات هذه؟.
مع كل انفجار جديد يكبر الإصرار على التحدي في نفوس شرائح كثيرة من المواطنين، ومعلوم أن اللبناني موصوف بـ"تمسحته" أمام الأهوال والمخاوف..خصوصا التي تهدد مقاومته وكيانه ..لكن هذا لا يخفي أن الحياة باتت مخلوطة بقلق يومي..لم تعد الأمهات صباحا يستطعن إرسال أولادهن إلى المدرسة دون جزعهن مما قد يحص خلال اليوم..ولم يعد بإمكان أي مواطن أن يضمن سلامة الوصول إلى عمله أو مقصده..شوارع بيروت تحكي ولو بهمس، عن قلقها من موجة الفكر التكفيري التي جاءتها مؤخرا تنشر الموت والرعب والسيارات المفخخة وسط كل من يخالفها الرأي والموقف..لمن بيروت التي شمخت بوجه الغزو الإسرائيلي وطردت كل طامع فيها تعرف جيدا كيف تبلسم جراحها، فقهوتها ممزوجة بالإيمان الحقيقي والصبر الكبير والاتكال على الله دوما.
