اخر الأخبار»

مقالات

17 فبراير 2017 9:31 م
-
من النهر إلى البحر.. «الدولة الأقرب للعدالة»

الأرجح أن شخصاً أو أشخاصاً فى فلسطين والمنطقة العربية فى أربعينيات القرن الماضى كان يُفضل لو قبلت الأطراف العربية قرار التقسيم، الذى صدر قبل عام من إنهاء الانتداب البريطانى، ومن ثم إعلان تأسيس إسرائيل.

لكن المؤكد أيضاً أن هؤلاء كان صوتهم ضعيفاً، وربما كان مخنوقاً تماماً وخائفاً من التعبير عن نفسه، وسط صعود الدعوات القومية، والصيحات الجهادية، وشعارات فلسطين كاملة من النهر إلى البحر.

رفض العرب الحل السلمى الدولى الأول. ربما خشى البعض من قبوله أن تنهال عليه نعوت الخيانة والعمالة. تسلم راية الدفاع عن القضية حكام وطنيون فى مرحلة ما بعد الاستعمار. وعدوا شعوبهم بفلسطين كاملة. انتهى بهم الأمر إلى أن تناقصت مساحة فلسطين التى يسعون إليها يوماً وراء يوم، وعاماً وراء عام، وأزمة وراء أزمة.

انظر إلى الخريطة كما تظهر فى الصورة، المساحة التى كانت مخصصة للفلسطينيين العرب فى مقابل اليهود عام 1947 حين صدر قرار التقسيم، ومساحتها بعد حرب 1948، ومساحتها بعد حرب 1967، ومساحتها الآن، أو بمعنى أصح فتاتها الآن.

لكن.. هل كان القبول بالقرار سيمنع النزعة التوسعية الإسرائيلية، وسيجنب المنطقة ويلات الحرب؟

بالقطع لا، لكن على الأقل كانت الدولة الفلسطينية المستقلة ستظهر للنور فى عام 47 على نصف فلسطين، بدلاً من النضال لإظهارها فى عام لم يأت بعد على أقل من 17% من مساحة فلسطين التاريخية.

الأرجح أن الحكام الوطنيين الذين رفعوا لواء المقاومة كانت نواياهم طيبة، فضحوا بمكسب كبير، على أمل بلوغ الجائزة الكبرى، لكن سياساتهم لم تؤت ثمارها، بعضهم دفع ما دفع من جهد وفواتير ومغامرات تاريخية للوفاء بوعوده، وبعضهم اكتفى بالنضال الحنجورى والشعارات، واستغلال القضية سياسياً طوال عقود طويلة من الصراع الممتد.

■ ■ ■

كان هؤلاء الذين قبلوا قرار التقسيم بصوت خافت من أنصار الحصول على جزء من الحق، والعض عليه بالنواجذ، ثم السعى خلف باقى الحق، فإن جرى استرداده فهو إنجاز، وإن فشلت عملية استعادته فالحد الأدنى منه «نصف الأرض لدولة فلسطينية» مازال باقياً، لكن هذه الأصوات تهاوت أمام تلك التى راهنت على كل الحق أو لا شىء، وها هى تكاد تنتهى للاشىء.

فى الأراضى الفلسطينية الآن طرفان رئيسيان، أحدهما اختار المقاومة والآخر اختار التفاوض، وتقريباً لم يصل الطرفان لنتيجة مهمة فى اتجاه حل المعضلة، فيما إسرائيل تواصل تقطيع أوصال ما بقى من فتات الأرض، والتهام المزيد منها.

مع ذلك، كل الأطراف اعتمدت حل الدولتين، حتى الأطراف الجهادية قبلت بحدود 67 ممثلة قى الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، كل النضال بأنواعه الجهادية والتفاوضية يسعى خلف هذه الدولة، وأسقط من حساباته فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر، لكن حتى هذا الهدف جرى تصعيبه مع مرور الوقت من قبل إسرائيل، فحدود 67 لم تعد كما تظهر على الخريطة، وآخر نظرة للخريطة توضح حجم التقطيع الممنهج لهذه المساحة بالمستوطنات والكتل السكانية، وفصل المناطق الفلسطينية عن بعضها، حتى تكاد تفكر فى واقعية السعى لإنشاء دولة فلسطينية بالأساس على هذا الفتات من الأرض والموارد، وأن تعيش هذه الدولة وتكون قابلة للحياة وتتمكن من خدمة ملايين الفلسطينيين فى الداخل والخارج.

مثل أولئك الذين فكروا فى قبول التقسيم كانت هناك دائماً أفكار مطروحة حول حل الدولة الديمقراطية الواحدة التى تسع الفلسطينيين واليهود ديمقراطياً، وكان صوت هذه الأصوات خافتاً، وهذه المرة فى المعسكرين العربى والإسرائيلى بفعل الصوت القومى العالى فى المعسكرين.

■ ■ ■

بنفس هذه الصورة وذلك المنطق، استقبل العرب تصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن وجود بدائل أخرى لحل الدولتين بقدر كبير من الانزعاج، فيما يحتفل اليمين الإسرائيلى المتطرف بما يعتقد أنه سقوط الدولة الفلسطينية.

لكن إذا كان حل الدولتين الذى تماطل فيه إسرائيل يبدو صعباً بفعل الممارسات الإسرائيلية وبفعل الواقع على الأرض الذى لا يصلح لإقامة دولة، فلماذا لا ترتفع الأصوات الخافتة هذه المرة بتأييد «ترامب» وإسقاط حل الدولتين تماماً وبناء سياسة جديدة تستهدف دولة واحدة للفلسطينيين والإسرائيليين تحمى «الديمقراطية» قوميتها الثنائية وتنوعها الدينى.

تأييد العرب لـ«ترامب» يمكن أن يمثل انتصاراً عربياً حقيقياً بهزيمة المشروع الصهيونى فى الدولة اليهودية الخالصة، وتصدير المشكلة بالكامل إلى إسرائيل، وإعادة تأسيس النضال الوطنى فى اتجاه الدولة الديمقراطية الواحدة.

لا زوال إسرائيل بات ممكناً.. ولا الدولة الفلسطينية الفتات تبدو صالحة، وإذا كانت المعركة مستمرة فلنخُضْها من أجل دولة واحدة.. هى أكثر عدالة من دولة فلسطينية على هامش إسرائيل. إذا نجح هذا النضال فقد عاد للعرب «بحرهم ونهرهم ويافتهم» بمشاركة اليهود فى إطار من المواطنة المتساوية، وإذا اصطدم ذلك بعنصرية إسرائيلية مازالت تتمسك بـ«يهودية الدولة»، تكون تلك مشكلة إسرائيل وحدها، وربما وقتها يعود «حل الدولتين» برغبة وإلحاح وسعى إسرائيلى حقيقى!

sawyelsawy@hotmail.com

لمطالعة الخبر على المصرى اليوم