اخر الأخبار»

مقالات

12 يناير 2017 10:04 ص
-
السعادة الاقتصادية.. والتنمية
مع بداية عام 2017 وفى ظل مشاكل اقتصادية عديدة يعانى منها الاقتصاد المصرى، ويأتى فى مقدمتها ارتفاع الأسعار الرهيب. فهل يعنى ذلك ان يكون طموحنا هو فقط خفض الأسعار أم يجب أن يكون طموحنا أكبر لأن الشعب المصرى يستحق أن يعيش فى مستوى أفضل بكثير.ولذا أعتقد أن هدفنا يجب أن يتركز فى تحقيق حلم السعادة الاقتصادية لكل مواطن مصرى.

فقد تطور مفهوم التنمية الاقتصادية عبر العصور من الاهتمام بزيادة دخل الفرد إلى الاهتمام بالتنمية البشرية للفرد وتحسين نوعية الحياة وتحقيق رفاهية المجتمع.ومع التطور الجذرى والجوهرى فى المفاهيم العلمية والتطورات الدولية الاقتصادية المتلاحقة تطور إهتمام التنمية لتركز على نواحى عديدة مثل توسيع دائرة الاختيار أمام الأفراد ثم بدأ يظهر هدف حديث للتنمية الاقتصادية يكمن فى ضرورة أن تحقق التنمية الاقتصادية السعادة الاقتصادية للفرد.

وعلى الرغم من حداثة مفهوم السعادة الاقتصادية كهدف أساسى للتنمية الاقتصادية إلا أن فكرة السعادة الاقتصادية ظهرت قديما فى التاريخ الاقتصادى على يد هيرمان جوسن فى عام 1854حيث صور جوسن الموارد التى يمتلكه الشخص كالوقت ينبغى أن يتم تخصيصه للأنشطة المحببة بالطريقة التى تحقق السعادة مدى الحياة.

ثم بدأ فى العصر الحديث الكتابة عن السعادة الاقتصادية كهدف للتنمية ومكون أساسى من الاقتصاد النفسى على يد إستيرلينى عام 1974 ثم توالت كتابات عدية فى التسعينات واقترنت بوجود أبحاث تطبيقية لقياس سعادة الأفراد فى الدول المتقدمة.

وفى ضوء هدف السعادة الاقتصادية تعتمد السياسة الاقتصادية فى اتخاذ القرار الاقتصادى على المفاضلة بين الإجراءات التى تحقق السعادة الاقتصادية للفرد ومن أهم الإجراءات التى يجب أن تفاضل بينها السياسة الاقتصادية هى المفاضلة بين زيادة التوظف وتخفيض البطالة من ناحية أو تخفيض التضخم من ناحية أخرى، حيث هناك علاقة عكسية بين التضخم والبطالة فغالبا مع تخفيض التضخم تزداد البطالة وتشير الدراسات التطبيقية أن انخفاض التضخم بنسبة 1.7% يؤدى لزيادة البطالة بنسبة 1%.

وعلى الرغم من أهمية انخفاض الأسعار على السعادة الاقتصادية للشخص ألا أن توفر فرص العمل قد تكون أكثر أهمية للشخص ليس هذا فحسب ولكن تزداد سعادة الشخص أكثر مع توفير نوعية العمل التى يرغب فيها ويحقق طموحاته من خلالها بمعنى أنة لا يكفى وجود فرصة العمل وإنما أيضا يكون راضى عنها.ولذا ففى ظل هدف تحقيق السعادة الاقتصادية تنحاز السياسة الاقتصادية نحو توفير فرص عمل مناسبة لرغبات الأشخاص أكثر من اهتمامها بتخفيض معدل التضخم لأن هذا يحق سعادة الشخص وهو الهدف الاساسى للتنمية الاقتصادية.

كما تشمل السعادة الاقتصادية ضرورة توافر الأطر المؤسسية التى تتسم بالكفاءة والتنظيم،وتقديم الخدمات التى تلبى رغبات الأفراد وتتسم بالآمان والراحة والسرعة من خلال وجود قواعد تشريعية مستقرة تنظم العمل،وكذلك وجود شفافية ورقابة على الأسواق لحماية المستهلك وهو ما ينعكس على فاعلية وقوة الحكومة الرشيدة.

وكذلك ترتبط السعادة الاقتصادية بضرورة وجود الحرية الاقتصادية التى تنعكس على حرية الشخص فى تبادل السلع والخدمات الغير مضرة بالإنسان،والحرية فى التصرف فى أمواله الخاصة.كما تزداد سعادة الشخص مع زيادة تمتعه بالحرية السياسية ووجود الاستقرار السياسى والحرية فى السفر والانتقال. بالإضافة لحماية الحرمات الشخصية.

ومن المؤكد أن زيادة الدخل يمكن أن يؤدى لمزيد من السعادة الاقتصادية للشخص فعلى الرغم من إمكانية وجود شخص يحصل على دخل منخفض ولكنة يتمتع بسعادة أكثر من شخص أخر يحصل على دخل مرتفع نتيجة وجود الرضا ورشاده الشخص فى توظيف دخلة وتنظيم حياته بطريقه تحقق له السعادة إلا أنه فى حالة تساوى الأشخاص فى رشادة السلوك الذى يحقق السعادة يكون الشخص الذى يحصل على دخل مرتفع أكثر سعادة من الشخص الذى يحصل على دخل منخفض، وهذا ما تؤكده استطلاعات الرأى التى تجرى دوريا فى الدول المتقدمة حول مدى سعادة الأفراد.كما يمكن القول أن الأفراد فى الدول المتقدمة أكثر سعادة من الأفراد فى الدول النامية حيث يحصل الفرد فى الدول المتقدمة على دخل مرتفع يتيح له الاختيار بين بدائل عديدة فضلا عن توافر معظم شروط تحقيق السعادة الاقتصادية.

وتشير مؤشرات استطلاعات الرأى حول قياس السعادة الاقتصادية فى الدول المتقدمة قبل أحداث 11سبتمبر إلى وجود نحو 33.4% من الشعب الأمريكى يتمتع بسعادة كبيرة للغاية ونحو 57.6% يشعروا بالسعادة وحوالى 9% سعادتهم ضئيلة.وفى أوربا يشعر حوالى 23.4%من الأوربيين بسعادة كبيرة للغاية بينما يشعر نحو 57.9% بسعادة ونحو 18.6% يشعروا بسعادة ضئيلة.

كما تشير الاستطلاعات إلى زيادة سعادة الأشخاص المتزوجين عن غير المتزوجين بالإضافة إلى أن المرأة أكثر سعادة من الرجل! والشخص المتعلم أكثر سعادة من الشخص غير المتعلم.وكذلك الشخص الذى يعمل أكثر سعادة عن العاطل،كما وجدت الدراسات أن السعادة تتجه للانخفاض حتى مرحلة الثلاثين ثم تبدأ فى الاتجاه للصعود مرة أخرى.والسؤال الذى يمكن أن يطرح نفسه ماذا عن مؤشرات السعادة الاقتصادية فى الدول النامية؟ والإجابة تحتاج إلى وجود استطلاع للآراء مثل الدول المتقدمة للحكم بدقة.

وتقاس السعادة بالفرق بين طموح وأحلام الشخص ومدى ما تحقق بالفعل.فكلما يزداد ما يحققه الشخص من طموحاته وخططه المستقبلية وأحلامه كلما تمتع بمزيد من السعادة.والجدير بالملاحظة أن طموح الشخص دائما يتسع كما أن طموح الشخص لا يقتصر على النواحى المادية الملموسة فقط وإنما هناك جانب أخر لا يقل أهمية وهو الجانب المعنوى والروحى مثل الحب والعلاقات الاجتماعية مع الآخرين.كما أن إشباع طلبات الفرد لا تنتهى فكلما تحقق شيئا طلب المزيد والمزيد فهذه طبيعة البشر.

وفى المقابل يقلل من مشكلة الشخص الذى لا يحقق جانب كبير من خططة وطموحاته فى أن الشخص بطبيعته متفائل لأنة دائما يتوقع زيادة سعادته فى المستقبل عن الحاضر والماضى وهذا ما يجب أن يحرص علية الشخص دائما ويجب أن تعززه السياسة الاقتصادية الكلية فى المجتمع لإنة إذا انخفض تفاؤل الأشخاص فى المجتمع فهذا يعنى وجود شعب تعيس يشعر بفجوة كبيرة بين ما يحققه وبين ما ينبغى أن يصل إلية وهى فجوة طبيعية ستظل موجودة بنسب متفاوتة بين الشعوب والأشخاص وتخفيضها يتحقق من خلال تحقيق جزء كبير من طموح الشخص ورغبات المجتمع ، وزيادة تفاؤل الأشخاص بأنهم سيحققوا كل طموحاتهم فى المستقبل القريب.

ولا شك أن زيادة سعادة الأشخاص فى المجتمع يؤدى إلى زيادة الإنتاجية وتحسن سلوك الشخص تجاه الآخرين، وهو ما ينعكس على تحسن الأداء الاقتصادى للمجتمع ككل.والمشكلة فى الدول النامية أن معظم الأشخاص يسعوا لتحقيق أهداف أو يسلكوا طريق قد لا يحقق لهم أى نوع من السعادة وإنما يسيروا فيه بفعل التقليد أو التظاهر أمام أفراد المجتمع دون أن يكون لهذا الهدف أو العمل أى سعادة شخصية للفرد!والمثال الواضح على ذلك حب المناصب الوزارية.

وفى الحقيقة أن سلوك الشخص فى المجتمع هو رد فعل للقوانين والسياسات الكلية التى تضعها الحكومات ومن ثم ينبغى أن نطرح سؤال هام ووارد حول أهداف التنمية الاقتصادية فى الدول النامية فهل نحدد أهداف يمكن أن ننجح فى تحقيقها ولكنها لا تحقق السعادة الاقتصادية للفرد أم يجب أن تكون أهدفنا تتضمن تحقيق السعادة الاقتصادية لأن وضع الهدف الرئيسى للتنمية فى تحقيق السعادة الاقتصادية يعنى معرفة الحجم الحقيقى للتنمية فى المجتمع،وبذل جهد أكبر لاتباع سياسات تعمل على تحقيق السلوك الرشيد للحكومة وللفرد من أجل تحقيق السعادة الاقتصادية للمجتمع.

وأخيرا أرجو أن نفتح باب الحوار حول الوسائل المثلى لتحقيق السعادة الاقتصادية للفرد وللمجتمع فهذا هو الهدف الرئيسى للسلوك الإنسانى، وأظن إنه يجب أن نتذكر الفلاح المصرى الأصيل الذى كان يعمل مع مطلع الفجر وحتى الغروب وننظر إليه ونقول "ما أحلى عيشة الفلاح" لأنه يعمل بجدية ومرتاح البال وراضى.
لمطالعة الخبر على صدى البلد