اخر الأخبار»

مقالات

11 يناير 2017 9:29 م
-
«حياتو» والقرار الأرعن الذى أحرج «السيسى» سياسياً وضرب هانى أبوريدة تحت الحزام

لو أن هناك ذلك الشخص الكاره أو المؤسسة المأجورة أو الجماعة المحظورة، التى تريد أن تضر مصر ونظامها السياسى الجديد من جهة ومنظومتها الكروية بالتبعية من جهة أخرى، لما خطر على بالها أو قادها «شيطان» عقلها إلى أن تفعل ما فعله جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية وقراره العنترى بإحالة الكاميرونى «عيسى حياتو»، رئيس الاتحاد الأفريقى، للنيابة، بدعوى خرقه قانون حماية المنافسة المصرى، وإساءة استخدام سلطته فى منح حقوق بث البطولات الأفريقية لشركة «لاجاردير» الفرنسية، وهو القرار الذى ألحق ضررا بالغا بوضع مصر السياسى، وهى تتعامل بهذه السذاجة والحماقة مع مؤسسة كروية قارية عريقة، تتخذ من مصر مقراً لها، ويتمتع رئيسها- بشكل أو بآخر- بمعاملة رؤساء الدول، وبقدر ومقام عاليين، باعتباره «رئيس دولة كرة القدم فى أفريقيا»، وهى اللعبة الشعبية الأولى فى القارة السمراء، فالهجوم على «حياتو» واتهامه بالفساد من قِبَل جهاز حكومى مصرى يعادل الهجوم على رئيس دولة صديقة، ناهيك عن الضرر الكروى البالغ الذى ستتعرض له الكرة المصرية بسبب إساءة مؤسسة حكومية مصرية لسمعة وشرف رئيس «كاف» والتشهير به فى العالم دون دليل أو إثبات أو سند قانونى حقيقى.

وقبل أن أتعرض لهذه القضية الشائكة بتفاصيلها، وأفند الأخطاء القاتلة التى وقع فيها جهازنا الهُمام، الذى لم أسمع له صوتاً فى الحالة الاحتكارية لقطاعات كثيرة فى بلدنا، وعلى رأسها كرة القدم، وبالتحديد البث الفضائى للبطولات المحلية، أود الإشارة إلى أن القول «إن هناك جهة سيادية أو جناحا داخل الدولة يقف وراء هذا القرار (الأرعن)» هو كلام لا أجد له أى سند أو دليل. وأستبعد أن تكون هناك جهة عاقلة تشارك فى صنع القرار داخل الدولة أو مع الرئيس السيسى يمكن أن تورط نفسها فى صدام سياسى خاسر أو تتدخل لحماية شركة فاشلة- أقصد «بريزنتيشن»، التى أوهمت الناس بأنها قادرة على الفوز بحقوق بث البطولات الأفريقية، وعرضت مليارا و200 ألف دولار، أى ما يقرب من 21 مليار جنيه، لشراء الحقوق، دون دراسة لأبجديات اللعبة السياسية والتنافسية، ودون سابقة أعمال فنية كبيرة تحمى عرضها المالى الضخم- وهى الشركة التى لا يتعدى عمرها ثلاثة أعوام فى شراء حقوق البث التليفزيونى.

وتعالوا أثبت لكم كيف وصلت السذاجة واللامبالاة وعدم تقدير عواقب الأمور بجهاز حكومى إلى اتخاذ قرار عنترى، مستخدما سلطة ليست من حقه قانونياً أو إدارياً أو عرفياً، بل إن المحكمة الجنائية الدولية لو تعرضت للقضية فلن تُصدر قرارها بهذه الحدة والصرامة، حيث جاء فى المادة الأولى من القرار ما يلى:

إلغاء التعاقد بين الاتحاد الأفريقى لكرة القدم وشركة لاجاردير سبورت فيما يخص السوق المصرية، وما ينتجه من آثار داخل نطاق جمهورية مصر العربية، وإخطار الجهاز بهذا الشأن خلال مدة أقصاها سبعة أيام من تاريخ هذا القرار.

وهنا أتساءل: أين هذه المادة فى قانون منع المنافسة والاحتكار التى تعطى للجهاز الحق فى إلغاء العقود التجارية، حتى لو افترضنا أن طرفى التعاقد مصريان- فما بالك إذا كانا غير ذلك- وأن الاتحاد الأفريقى لا يخضع فى تعاملاته التجارية لقانون الهيئات الرياضية أو قانون المزايدات والمناقصات؟ وأنا هنا لن أدخل فى جدل سفسطائى قانونى، بل يحضرنى تصريح لأسامة هيكل، رئيس مدينة الإنتاج الإعلامى، وزير الإعلام السابق، لبرنامج (نظرة)، مع الزميل حمدى رزق: «اتحاد الكرة الأفريقى لا يخضع لقوانين الدولة المصرية، وكان يجب دراسة قرار إحالته للتحقيق قبل إصداره، لأنه قد تترتب عليه عقوبات أو ردود فعل سلبية تقع على الاتحاد المصرى».

ثم يبلغ «الهزار» مبلغه والاستهتار بعقولنا والمغامرة باسم وسمعة النظام الحكومى المصرى، فى المادة الثانية، التى استخدم فيها الجهاز الرأفة مع شركة لاجاردير، وسمح لها باستغلال حقوق بث البطولة الأفريقية القادمة، وجاء فى مادته الثانية ما نصه:

«نظرا لوقوع كأس الأمم الأفريقية لعام 2017 بالجابون- والتى تبدأ فعالياتها بتاريخ 14 يناير 2017- ضمن إطار حقوق البث التى أساء الاتحاد الأفريقى لكرة القدم استخدامها، ونظرا لتقدير الجهاز ضيق الوقت المتاح لتنفيذ الإجراءات التى ينص عليها هذا القرار فيما يتعلق بتلك البطولة، وحفاظا على حق المشاهد المصرى فى مشاهدة البطولة، فقد قرر الجهاز:

أ- استمرار مؤسسة بى إن سبورت الإعلامية (وهى القناة التى باعت لها شركة لاجاردير حقوق البث الحصرى) فى عرض فعاليات تلك البطولة استثنائيا.

ب- على الاتحاد الأفريقى لكرة القدم إعطاء حقوق البث المباشر التليفزيونى الفضائى لتلك البطولة لشركة أخرى تقدمت بالفعل بعروض لبث البطولة داخل مصر».

ولا تملك عندما تقرأ فرمان جهاز حماية المنافسة سوى أن «تضحك إلى حد البكاء»، ثم «تبكى إلى حد النحيب»، ثم «تنتحب إلى حد الصراخ» على الحال الذى وصلنا إليه فى معالجة مثل هذه القضايا الحساسة. تخيلوا جهازا حكوميا مصريا هو الذى سمح لقناة بى إن سبورت ببث البطولة الأفريقية.. ألا تعلم السيدة رئيسة جهاز حماية المنافسة- والتى (تألقت وتأنقت) ظهوراً بتصريحاتها وحواراتها طوال الأسبوع الماضى- أن قناة «بى إن سبورت» مملوكة للنظام القطرى، وأن هذا النظام يعادى الدولة المصرية ويعبث بأمنها، وتشير إليه أصابع الاتهام فى تمويل جماعات العنف والتخريب فى بلدنا، فكيف لها- لو كان لها- أن تعطيه هذه الحقوق، حتى ولو على سبيل الهزل(!)

وتظهر واضحة فى الفقرة (ب) نوايا الجهاز الحقيقية أو السبب الحقيقى (كما فهمت من هذا الموقف وذلك القرار العنترى) عندما يأمر الاتحاد الأفريقى «بإعطاء بث بطولة الأمم الأفريقية القادمة للشركة المصرية، التى تقدمت مؤخرا بحق شراء البث فى مصر»، ويُقصد هنا شركة «بريزنتيشن»، وهى الطرف الوحيد المستفيد من هذا القرار- أو بالأدق هذا الشو الإعلامى- الذى سيُفضى إلى سراب.

اللطيف أن جهاز حماية المنافسة لم تقف نوادره وقفشاته عند هذا الحد، بل واصل، فى مادته الرابعة من بيانه، وضع الشروط والقواعد التى يجب على الاتحاد الأفريقى وجمعيته العمومية- التى تضم 56 دولة فى عضويتها- الالتزام بها عند إعادة طرح حقوق بث بطولاته. وأغرب هذه الشروط هو إلزامه بفصل حقوق البيع فى مصر عنها فى باقى دول القارة، ثم تقسيم البطولات إلى باقات منفصلة، فكأس الأمم باقة، وبطولات الأندية باقة أخرى، وهو كلام عبثى ليست له علاقة من قريب أو بعيد بجهاز حماية المنافسة أو قانونه أو لائحته. وفى إطار هذا العبث، لماذا لا يضع جهازنا الهُمام والسيدة رئيسته قواعد تنظيم البطولات الأفريقية، وشروط اختيار الحكام، وينظم العملية الانتخابية لـ«كاف»؟!

وبعيداً عن الهزل والعبث الذى عشناه الأسبوع الماضى فى تلك القضية، التى تناقلتها وكالات الأنباء والصحف العالمية- والتى اعتبرت أن قرار الجهاز هو قرار يعبر عن الحكومة المصرية ضد شخصية رياضية عالمية- فإن جهاز حماية المنافسة الذى ذهب لمعاقبة «كاف» هو نفسه الذى يغض الطرف عن احتكار شركة «بريزنتيشن» للدورى المصرى، والذى حرمت جميع القنوات من حقها فى شرائه، وبيعت البطولة حصرياً لقناتين فقط، والمباريات الودية تُعرض على قناة واحدة فقط، وتدريبات المنتخب ممنوعة عن جميع القنوات، ومبيعة حصرياً لقناة واحدة.

أليس هذا احتكاراً؟ أليس هذا ضد قواعد المنافسة التى أعطتنا فيها السيدة رئيسة الجهاز دروساً ومحاضرات؟ ألا يستوجب القانون أن يتم عرض السلعة أو المنتج على جميع القنوات دون تمييز، وهذا ما ينص عليه القانون كما تقول الست الريسة؟ فلماذا لم نسمع أنها قدمت بلاغاً فى النيابة ضد شركة «بريزنتيشن»؟ فإذا كانت محايدة وحريصة على مصلحة المشاهد المصرى كما تدَّعِى فعليها أن تثبت لنا هذا.

■ ■ ■

وإلى جانب إحراج هذا القرار الأرعن للدولة المصرية وإقحامنا فى معركة غير مدروسة، فإن هانى أبوريدة، رئيس اتحاد الكرة، عضو المكتب التنفيذى للاتحادين الدولى والأفريقى، سيكون الأكثر تضرراً من هذا القرار، وستهتز صورته وعلاقته مع عيسى حياتو، الداعم الرئيسى لـ«أبوريدة» داخل «كاف»، وربما يُخسره ذلك مقعده ويضر بمستقبله، حيث إنه أحد المرشحين لخلافة «حياتو» فى منصبه. ومكمن الضرر يعود إلى علم الجميع بالعلاقة الوطيدة التى تربط «أبوريدة» بشركة «بريزنتيشن»، وأنه الداعم لرئيس مجلس إدارتها، والذى لولا «أبوريدة» لما ظهر على سطح الحياة الرياضية والتسويقية، ومن الصعب أن يصدق أحد أنه انقلب عليه وأضره هذا الضرر البالغ بين عشية وضحاها.

لذا فالجميع يتحدث داخل أروقة الرياضة المصرية والاتحاد الأفريقى بأن «أبوريدة» يقف وراء هذه الحملة من أجل إقصاء «حياتو» بالتشكيك فى ذمته المالية، وهى شائعات غير صحيحة لسببين: الأول أن «أبوريدة» وافق فى المكتب التنفيذى على البيع لشركة لاجاردير الفرنسية، حيث لم يكن وقتها قد ظهر عقد الشركة المصرية، والثانى أن التشكيك فى ذمة «حياتو» من شأنه أن يطال «أبوريدة» نفسه، الذى ترأس لجنة التسويق فى «كاف» لسنوات.

والأكيد (وفقاً لمعلوماتى) أن هانى أبوريدة صُدم من هذه الضجة المفتعلة، ولا يعلم ماذا سيقول لـ«حياتو»، خلال لقائهما فى اجتماع المكتب التنفيذى لـ«كاف» الأسبوع القادم، وهل هو توجه دولة أم خطأ غير مقصود من جهاز حكومى لم يُحسن التقدير، أم ربما خطأ مقصود استُدرجت له الدولة، التى تركت هامشا واسعا للصغار ليلعبوا أدوار الكبار ويستخدموا «يافطة الجهات السيادية»، فنالت نصيبها؟

والأكيد أيضاً- وفقاً لمعلوماتى من «أبوريدة» نفسه- أنه لن يفكر فى الترشح لرئاسة الاتحاد الأفريقى إلا بعد رحيل «حياتو» طوعياً من منصبه، وأن التصاقه به هو الضمانة للمنافسة على رئاسة «كاف» إذا قرر الترشح.

لمطالعة الخبر على المصرى اليوم