اخر الأخبار»

مقالات

11 يناير 2017 8:43 م
-
الجندول

عندما بدأت أتفتح للحياة كزهرة لحظة أن حدث الفوران الأعظم فى جسدى، وراحت هرمونات الحب تتدفق فى دمى، فإن أول صوت أحببته وألهمنى الحب كان صوت المطرب العبقرى محمد عبدالوهاب.

■ ■ ■

ما زلت أذكر هذه الليالى الأسطورية حين كان صوته العذب يباغتنى فجأة، وأنا أتنزه على كورنيش الإسكندرية، تهب نسمة هواء محملة بقبلات البحر، فأحبسها داخلى، النسمة والقبلات والأغنية.

■ ■ ■

أثناء سنوات الدراسة بالكلية، اجتذبنى عالم فيروز الساحر، فحبسنى فيه أعواما كثيرة. لكن العجيب أننى- عند مشارف الأربعين- عدت إلى قواعدى سالما. أعنى إلى صوت المطرب العبقرى «محمد عبدالوهاب». كنت أذهب كل أسبوع لأقتنى شريطا غنائيا أختاره بعناية. ثم أقضى باقى الأسبوع فى سماعه. وكانت لدى طقوسى الخاصة. لابد أن أكون وحدى فى غرفة معتمة، مسترخيا تماما، مع كوب كركديه ساخن لزوم الاستمتاع.

كانت هذه أسعد أيام حياتى. وفيها أعدت اكتشاف روائعه القديمة، بالذات أغانى الأربعينيات حين بلغ ذروة نضجه الفنى. فأهدانا هذه الروائع الباهرة: «كليوباترا/ الجندول/ الكرنك/ الفن/ حياتى أنت/ كل ده كان ليه؟/ النهر الخالد»، وكلها أغانٍ طويلة نسبيا.

■ ■ ■

كان قد مضى وقت دون أن أسمع أغنية الجندول بالذات. بمجرد أن بدأ اللحن الفخيم حتى خرجت منى كلمة الإعجاب تلقائية (يا لهوى!ّ). لا شك أن الشاعر على محمود طه كان محظوظا بشدة حين قرر عبدالوهاب أن يلحن هذه القصيدة.

وشرعت أسمع الأبيات العذبة، وأنا أفكر: هل خطر ببال الحسناء الإيطالية التى بادلت الشاعر ابتسامات الإعجاب، فكتب عنها هذه القصيدة الرائعة، أنها كانت الإلهام للحن شرقى من أروع ما يكون!.

يا لها من فكرة عجيبة حقا! ويا للشعراء من مساكين! على محمود طه القادم من المنصورة، لابد أن عقله طار لدى رؤية هذه الحسناء الإيطالية الباهرة، التى وصفها بذلك البيت الرائع:

«ذهبى الشعر، شرقى السمات/ مرح الأعطاف، حلو اللفتات».

■ ■ ■

الحكاية أنه كان يركب الجندول فى فينيسيا التى يعرف الكل أن القنوات المائية فيها بديل عن الشوارع. وقد شاهد تلك الحسناء وهى «تسوى بيد الفتنة شعرا». يعنى لم تفعل الفتاة أكثر مما تفعله أى فتاة أو حتى رجل حين يبعثر الريح شعره! لكن الشاعر المحروم، الخارج من مصر الثلاثينيات، ذات التقاليد المحافظة الصارمة، وجد أن (مساوية الشعر) عمل فاتن، فوقع فى حبها!

(فعرفت الحب من أول نظرة).

■ ■ ■

ويبدو أن الحسناء- وليدة الصدفة- قد بادلته ابتساما بابتسام. ويبدو أن (المقرر) كان أيضا سهلا على رأى عادل إمام، والدليل أنه قال:

(كلما قلت له خذْ قال هات). وبالطبع أترك لخيالك الواسع- عزيزى القارئ- الشىء الذى قال لها خذ وقالت له هات!.

■ ■ ■

من كانت هذه الحسناء الإيطالية؟ لا أحد يدرى! ربما كانت بمقاييس الغرب مجرد فتاة حسنة الوجه من ضمن آلاف الفتيات! ربما كانت عاملة فى متجر أو خياطة بسيطة. ربما كانت أى شىء، وبالتأكيد لم تعن لها هذه المغامرة العابرة شيئا. لم تعلم قط أنها ظلت زاد هذا الشاعر القادم من المنصورة. لم تتصور أن هذه القبلات المتبادلة، والتى منحت أمثالها لعشرات الشبان فى مصادفات كتلك، كانت الذكرى السعيدة التى تبعث الدفء فى أوصاله كلما تذكرها. ولم يخطر على بالها بكل تأكيد أن أهم موسيقى فى الشرق كله، العبقرى الذى يقطع قطعة من السماء مزدانة بالنجوم فيجعلها ألحانا، سوف يجعلها بطلة هذا اللحن الشرقى الساحر. المؤكد أنها لو عرفت كانت ستحلّق من الفخر والسعادة.

لمطالعة الخبر على المصرى اليوم