اخر الأخبار»

مقالات

11 يناير 2017 6:27 م
-
«مولانا» .. غسل الوجدان بالوعي ...!!
في الحقيقة هناك مقولة منسوبة للإمام على بن أبي طالب تقول " قصم ظهري رجلان ؛ عالمٌ متهتك ، وجاهلٌ متنسك... !!".

والواضح أنه قد ذهب كل شيء تقريبا وبقي هذا السطر الذى جاءنا من التاريخ وتوحش حولنا - عالم متهتك وجاهل متنسك – وعلى هذا السطر يدور الفيلم بما يبثه من تصورات ونقد وأفكار وقيم ...!

هذا هو الفن .... نوع من الغاب الذى ينفخ في النفس عزفا يصفيها من الأنين عندنا تئن من واقع التدين المغشوش الذى يسحق القيم بالتطرف حين يضفر البشري بالمقدس ويخلط النص بالتفسير ويجعل من وهم الإجماع البشري منتجا دينيا يتعبد به لرب لم يختبر رأيه وإن خالف الإجماع نصا مقدسا قد جاء صريحا في آيات الكتاب.!!

هذا هو الفن الذى يطرق باب الوجدان والعقل ...وينبش التاريخ ويظهر كيف يتلوى مولانا مع الهوى ويكسب مع الأموال ويطوع المشهد ليكون خادما لمبتغاه فيسرق به وعي الناس ويسحبهم إلى حيث يشاء.
 
الفيلم يلقي في بركة الصمت حجرا فيحرك الأفكار ويثير المشاعر ويدفع ناحية إنتاج قيم حداثية تستعيد النص المقدس من أيدي كهان الماضي وحراس كتبه الصفراء لتضعه بعهده المستقبل وأمان الغد وآماله العريضة في بناء التعايش والسلام الاجتماعي.
 
جاء الفيلم مثيرا وموجعا ... مخلوطا بالصوت والصورة والفكرة التي هزمت مطحنتهم البشرية على مدى ألف عام
ليقول للجماهير ... ليس بيد الكاهن مفتاح الجنة والنار ... ولا يمكن أن يوزع الكفر والإيمان على عباد الله وهو لا يملك مفاتيح قلوبهم ولا شبابيك يطل منها على ما بداخلهم ..

وأن الله لا يمكن أن يحاسب الناس على ألسنتهم بعيدا عن ضمائرهم ونياتهم ... وأن الإيمان الذى لا يرصد سلوكه خروج مألوف من حياضه ... وأن بغيا دخلت الجنة في كلب سقته وربما ألقى شيخ كبير في جهنم بما يحمل من تدليس ونفاق قد غلظ منه الكتف وانتفخ فيه من الحرام كرشا ملفتا ...

الزي لا يعني شيئا عندما يكون الإيمان سلوكا يستشعر الرحمات ويضحي من أجل الطيبات ...
فليس المسيحي كافرا وهو يقول إله واحد أمين ... وليس المسيحي مشركا وقد أبيح منه الزواج المنتج للأسر المتشابكة فيما لا يحل ذلك للمشركين ..

وليس الشيعي المتابع لأمير المؤمنين عليا كافرا كما يروجون ... وهو السالك طريق الأئمة من ولده وقد نزل الوحي في بيوتهم وقام الدين على أكتافهم وشَيد الإسلام علمه الأول من أفهامهم وألسنتهم ...!

وهذا الوهم الذى يتلبس به واقعنا تحت قناع سلفي يرمي أيامنا بجرثومة التكفير والتنفير والتفجير التي جاءت بداعش من عمق تراث الشنق والحرق والقتل والفتك لا يمكن أن تكون تعبيرا عن تدين ترضاه السماء لأهل الأرض كي يبنوا به مستقبلا نافعا ..

فالأيام القلقة لا تبني مصنعا ... والأفكار المتقاتلة لا توحد شعوبا ... والكراهيات المتنافرة لا توطن قيما ... والصراعات التي تحميها رايات التدين لا تنبت في الأرض شعبا ولا أملا ...

وعليه فخطة المتدين اليوم والتي تقوم على حراسة الخراب ... وقتل الأبرياء في الشوارع , وهدم المدن في العراق والشام ... نشر الدمار في خط ممتد من سيناء إلى أسوان .. لا يمكن أن تكون متطابقة مع خطة الله الذى ابتدأ كتابه بأول آية منعوا الجهر بها في صلواتهم لأنها تنادي الله باسمه الرحمن الرحيم ...

جاء فيلم مولانا كاشفا للمسكوت عنه ... طالبا إلقاء المزيد من الأحجار في باقي البرك الراكدة .. مؤكدا على أن التدين المستقيم لا ينشأ ويزدهر إلا في بيئة عقلية وأن تلون رجل الدين وخضوعه للمال يحوله إلى سلعة ويحول تدينه إلى دعاية رخيصة في خدمة أجندات تستهدف الحق بعدما أغرقوا التاريخ الذى يقدموه للناس في مستنقع النزوات والآراء الشخصية التي أنتجت لنا كل هذا النفاق الذى يحوم ويعوم حولنا ... فينكش منه مولانا بطرفه سطرا وهو يداعب زوجته الغارقة في النعيم بقوله ( لو شافك سيدنا أبو ذر الغفاري بتشتري اللبس دا كله كان ضربك بالـ ..........!

بناء على زهد أبي ذر وتقواه وقد مثل حقيقة الإسلام عندما طُرد من مأواه .. فكان رد الزوجة التي حركت الخيط ومنعت الزيف أن يوقف العقل على حدود ما قدموا من نقل بطريقة تشبه فتح عين الواقع على التاريخ كي ترى من جديد كثافة الوقائع ليكون ردها ( علشان كدا سيدنا عثمان بن عفان نفاه من المدينة ) فيبتسم مولانا على طريقة المشايخ في لفت المواضيع عن جوهرها ... فلا يسترسل مبررا ولا يذهب هناك محللا ويكتفي بقوله ( دا انتي متابعة البرنامج بتاعي كويس بقى ) ...!!

وقد ظهر جليًا أن الدعاة يوظفون ما شاءوا حسب أهوائهم وما يريدون حمل البسطاء عليه بعد سحب عقولهم ..!!
وأن وحدة الأمة وتعايشها يجعل الفاعلية الكبرى والأكثر قيمة هي قول الله " ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ".. !
إذن لم يطلب منكم حسم الخلاف على الأرض .. مع تعزيزه لقيم نشر الأفكار وعرض الحجج والتواصي بالحق ...

لقد أصبح هذا الفن حراكا مصريا خاصا ناعما ومؤثرا يساوي جيشا مسلحا في ردع الفكر السلفي الداعشي وإثارة حقوق الأقليات وإعادة الاعتبار للفكر الإنساني بعيدا عن الاستسلام لكهان الفضائيات وسراق المنابر التي نزوا عليها فجعلوها في خدمة الفراق والفتنة .. وخصبوا بها الأرض التي تنبت داعش والنصرة وباقي تيارات الدم التي تنتسب إليهم وترفع في الفضاء راياتهم عدوانا ومكرا على سلامة الأوطان وأمن المنطقة ..

هذا النوع من الفن والذى قدمه فيلم مولانا هو المطلوب الآن بعد معاناة طويلة مع سينما الشبابيك ... وصولا لسينما الوعي الذى ينقذ الشرق والعالم كله في لحظة حاسمة كإنقاذ الغريق ...

اذهبوا جميعا في ضجة أو صمت وتعرفوا على هذا الطرح الجديد والجيد الذى يقدمه فيلم مولانا ... وبعيون ناقدة قادرة على سحب القيم وتوطين مبادئ الحداثة وأفكارها المعاصرة .
لمطالعة الخبر على صدى البلد