اخر الأخبار»

مقالات

11 يناير 2017 1:34 م
-
رغيف بلدى ساخن

فى يوم من أيام الأسبوع الماضى، حيث شوارع وأزقة وحوارى الإسكندرية، فى العديد من أحيائها، قد تحولت إلى بحور بالمعنى الحقيقى بسبب الأمطار الغزيرة المستمرة، التى أعادت صورة قديمة للإسكندرية وجزءا من شخصيتها السلطوية كنا قد نسيناها، والتى طبعت بصمتها على قلوب أجيال وأجيال. بدأت قوة الطبيعة تنازع هذا الوجه الحديث والمحايد للإسكندرية المبتسم دائما! فى ذلك اليوم شاهدته وهو يقترب منى، آتيًا من الاتجاه المعاكس. كنت سائرا على الشريط الضيق للرصيف بحذر ألا تطفح مياه الأمطار المتجمعة فى الشارع عليّ عند مرور إحدى العربات، بينما هو كان مشغولا بما هو أهم. تقاطعنا لوهلة، كان فى العقد السادس، من طبقة الموظفين الذين هزمتهم ملفات الحكومة ودوسيهاتها وأضابيرها واضطرتهم إلى أن يلبسوا نظارات ذات عدسات سميكة. كان له وجه أسمر ناحل، ويلبس عدة بلوفرات فوق بعضها ومن تحتها قميص يغلق زرَّه الأخير، وربما هى عادته منذ كان صغيرا حتى "لا يستهوى".
كان الرجل يحمل عدة أرغفة من الخبز البلدى فى يده اليسرى لا يزال بخارها يتصاعد وسط هذا الجو شديد البرودة، مثل أبخرة أنفاسنا التى نلعب بها على الزجاج البارد فى لحظات التأمل والسهو عن العالم من حولنا. يبدو أنه اشتراها من الفرن البلدى القريب الذى يقع فى نهاية الشارع، أما فى يده اليمنى فقد اصطفى رغيفا ساخنا منها، وأخذ يأكل منه بشغف وهيام ولا يعبأ بالطقس أو بالمطر المتساقط أو بارتفاع منسوب المياه فى الشارع عن منسوب الرصيف. فى المسافة، منذ رأيته حتى تقاطعنا، لم يتبق من الرغيف سوى جزء صغير منه.
لم يكن هناك أى غموس، داخل هذه الوجبة السريعة المترجلة، يبرر هذا الشغف، سوى أنه يحب أن لا تضيع لحظة الذروة الساخنة لرغيف الخبز. ليس بالضرورة أن يكون جائعا، ولكن الرغيف الساخن يغرى بأن نلتهمه "حاف"، وبدون أن نكون مدفوعين بالجوع لالتهامه، وبدون أن نشبع أيضا. هذه اللحظات ليست رد فعل لرغبة أو لغريزة داخلية، بل هى فعل أصيل. لحظة الشغف التى لاحظتها فى الرجل، جعلتنى أحدس بموهبة قديمة لا تزال حاضرة فى حياته، تلك الهوايات الأصيلة التى نحتفظ بها منذ كنا صغارا وتعلو على أى تصنيف طبقى. جميعنا لنا مثل هذه اللحظات الخالصة لوجه الله، سواء قضيناها مع رغيف ساخن أو مع أى شىء له القدرة على أن ينسينا السياق الاجتماعى الضيق الذى نعيش به، ويخرجنا خارج مداره لنستمتع بأشيائنا البسيطة، دون أن نحدد موقعنا داخل هذا العالم. ربما تحديد مواقعنا بصرامة، وبظلم كذلك، جعل الكثيرين يفقدون ذائقتهم ومواهبهم الخاصة التى نمت معهم من الطفولة.
وأنا صغير كان مخصصا لى فى البيت مهمة شراء الخبز من الفرن "الفينو" القريب من البيت. كنت دائما أعود برغيف ناقص خلال رحلة عودتى للبيت. فى إحدى المرات، كنا فى نهار رمضان وصائما. المهم بعد شراء العيش، بينما أنا أسير به قضمت كعبه 
"المحرفش" ذا اللون البنى الفاتح كعادتى كل مرة، وتماديت حتى وصلت إلى منتصفه. فى تلك اللحظة ذكَّرنى رجل آت فى مواجهتى، متسائلا لماذا أنا مفطر؟ 
عندها فقط تذكرت موقعى فى الحياة، وفى الدين، وفى نهار رمضان. أنسانى الرغيف الساخن، وكعبه "المحرفش"، وسطحه المشرَّط بعدة شرطات مائلة، والتى منحته شكلا محفزا على الالتهام، أنسانى كونى صائما. أكملت صيامى باقى اليوم، بعد أن منحنى الله، بالنسيان، نصف رغيف فينو، ولم يعطل عادتى اليومية.
هناك لحظات عادلة تقف وراء الوعى وتساوى بين الناس جميعا، ربما لأنها تكونت قبل أن يتشكل الوعى طبقيا، ومنها هذه اللحظات السعيدة. شغف هذا الرجل بالرغيف الساخن ذكرنى بصنف ثمين من هذه اللحظات، لحظات ما قبل النضج والوعى. حتى الآن أحب حلوى العسلية، والسمسمية، والدفء الذى يأتى من النار، ويا حبذا لو كان له صوت مثل وشيش وابور الجاز.
ربما هذا الرجل فى هذه اللقطة كان مستمتعا، ومنصتا لرائحة طفولته، ووقوفه فى عز البرد أمام الأفران الدافئة، والتنازع مع أقرانه فى الطوابير. وربما كان محلقا فوق موقعه الطبقى فى الحياة. فهذه اللحظات الحرة لا يتم القبض عليها إلا بعد هذا النسيان المؤقت لمواقعنا الاضطرارية فى السياق الاجتماعى. لأنها تقع خارج كل هذا، مثل أحلام اليقظة وشاعريتها التى تحدث عنها بإسهاب وحب الفيلسوف الفرنسى جاستون باشلار فى كتابه الشفاف " شاعرية أحلام اليقظة".
"العيش السُّخن" أحد القواسم المشتركة لتلك اللحظات السعيدة التى نفقد فيها موقعنا ونحلق مع البخار المتصاعد من داخله، كأننا نعيد رواية قصة الخلق مرة أخرى.

 

لمطالعة الخبر على التحرير نيوز