اخر الأخبار»

مقالات

11 يناير 2017 1:20 م
-
كوابيس «تيران وصنافير»

بعيدا عن حالة الإنقسام الشعبى بين مؤيد ومعارض لإتفاقية ترسيم الحدود المائية بين مصر والسعودية، والمعروفة إختصارا بقضية جزيرتى «تيران وصنافير»، فكلما إحتدمت الأزمة كشفت عن أسوأ الممارسات السياسية التي تتم بهدف التعتيم على توقيع الإتفاقية بمعزل عن أحكام الدستور والرقابة الشعبية!.
أول المساوئ هو الخلط المتعمد بين السلطة القضائية والسلطة التشريعية، فبدلا من أن تجرى الحكومة إستفتاءا شعبيا، بعد حكم محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة الذي قضى ببطلان توقيع اتفاقية، وذلك طبقا لنص المادة المادة (151) يقول: (يجب دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة).. فحتى لو كانت «الملكية» للسعودية و«السيادة» لمصر يجب إجراء الاستفتاء.
والفقرة الأخيرة من المادة ١٥١ من الدستور تحظر مطلقا إبرام المعاهدات التي تنطوى على التنازل عن الإقليم. ورغم ذلك رئيس الوزراء وقع على التنازل عن جزء من الإقليم وهو غير مخول لا بالتوقيع ولا بالتنازل.
ودفع المجتمع ثمن التوقيع من حريه شبابه الذين تظاهروا ضد الإتفاقية، ومن حرية الإعلام الذي صادر الآراء المعارضة وأصحابها، حتى نقيب الصحفيين لم يسلم من حكم بالحبس لإيواءه بعض الشباب المعترض على الاتفاقية.
وفجأة قررت الحكومة إحالة الإتفاقية لمجلس النواب، رغم أن هذا حق رئيس الجمهورية وحده، قذفت الحكومة بكرة اللهب تحت قبة المجلس، وقدمت للنواب إتفاقية «شبه معدومة» حكم القضاء ببطلانها!.
وإشتبكت السلطات خلافا لمبدأ «الفصل بين السلطات»،فالمحكمة الإدارية العليا حددت جلسة (١٦ يناير) للفصل في طعن الحكومة، والحكومة ستناقش الإتفاقية.. وهذه بالضبط سياسة: (سمك،لبن،تمر هندى)!.
لا يجوز لأحد بعد الآن أن يقول أن الحكومة لا تتدخل، ولو بالتأثير، في القضاء، لأنها تعيق سير العدالة بإستباق حكم المحكمة الإدارية العليا، وتستمر في إجراءات إتفاقية باطلة !.
لقد فٌتح باب المزايدات على الفضائيات، معظم النواب يتبرأون من الإتفاقية، ولو خوفا على شعبيتهم، واشتعلت المظاهرات الغاضبة مرة ثانية، والتهمت مصفحات الأمن المركزى لحم الشباب من أمام نقابة الصحفيين.. ونحن لا نجد من يحل لنا «لغز الإتفاقية»، ولا يشرح لنا حجم الضغوطات التي تمارس ضد مصر لتنفيذها بمخالفة دستورية فجة وفى مواجهة مقاومة شعبية جارفة؟!.
أريد تفسيرا لمارثون الدفاع عن «سعودية الجزيرتين» الذي تضج به بعض برامج «التوك شو»، وتدشن من أجله «الكتب»، وكأن فريقا من كتابنا وإعلاميينا قد قرر بيع نفسه مقابل «حفنة ريالات» بينما هو يدعى أنه «زعيم الوطنية» الأول!.
لماذا نضيع إنجازات 30 يونية كلها في لحظة «عناد» بل وغباء سياسى، فنعصف بالدستور، والمؤسسات القضائية ،( أول رئيس بعد 3 /7 جاء من المحكمة الدستورية)، ونفقد مجلس النواب مصداقيته، ونجعل حكومة «السيسى» عرضة للحبس لإمتناعها عن تنفيذ حكم قضائى (يعاقب الممتنع بالحبس والعزل من الوظيفة)؟!.
هل هذا ثمنا عادلا لإرضاء «السعودية»، التي لن تقبل إلا بمصالحة مع جماعة «الإخوان» الإرهابية، ووقوف الجيش المصرى مع «الإخوان» صفا واحدا في اليمن وسورية ؟.
قضية الجزر لم تعد إختبارا لعلاقة مصر بالسعودية، بل إختبارا محفوف بالمخاطر لنظام 3 يوليه بأكمله، والقواعد التي قامت عليها ثورة 30 يونية، والتى تتبدد من واقعنا يوما بعد يوم !.
وأسوأ ما في هذا الواقع هو غياب الديموقراطية تماما، وكما جاء في حيثيات حكم محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة الذي قضى ببطلان توقيع الاتفاقية فإن «أعمال السيادة»: (ليست نظرية جامدة، وإنما تتسم بالمرونة وتتناسب عكسياً مع الحرية والديمقراطية فيتسع نطاقها في النظم الديكتاتورية ويضيق كلما ارتقت الدولة في مدارج الديمقراطية)!.
لقد أصبحنا جميعا في مأزق، فالتنازل عن مصرية الجزيرتين تحول إلى رمز للتفريط في «أرض الوطن»، وأصبح معول هدم لمؤسسات الدولة ودستورها.. أما الآن فقد خسرنا بالفعل «كرامتنا الوطنية»، وبدأن نحفر القبور لدفن الدستور ومعها هيبة بعض السلطات التي تلعب «حزر فزر الجزر هتروح لمين» ؟.

لمطالعة الخبر على المصرى اليوم