مقالات


24 ديسمبر 2013 3:30 ص
-
ثورات المصريين ضد أجداد أردوغان
نشر: 24/12/2013 3:48 ص – تحديث 24/12/2013 3:48 ص

عبد العزيز جمال الدين يفضح همجية فظائع الاحتلال العثمانى لمصر ويكشف بالتفاصيل والوقائع «وضاعة» سليم الأول

يقدم الكتاب قراءة عميقة لمجريات العمل الوطنى الذى واجه به الشعب استبداد القصر والاستعمار البريطانى قبل 1952

عايش المصريون عبر تاريخهم مراحل متعددة من الاستعمار وطغيان الحكام لكنهم كانوا يقاومون دائما ولم يستسلموا للاستبداد يوما مهما بلغت ضراوته وعنفه وفى أشد فترات الانحطاط والإيذاء كانوا يجددون أساليب المقاومة ويجددونها كى يحافظوا على استمرار جذوتها مشتعلة وكى تبقى الهوية مصانة من العبث والتبديد وعلى مدار تاريخهم لم يرهبهم بطش ولم تهدّ عزيمتهم قسوة أو تنكيل لأن الذات الوطنية كانت دافعهم للصمود وفى الكفاح ضد الاستعمار والاستبداد لم يخدعهم الاعتقاد الدينى للمستعمر أو التخفى خلف عباءة الدين والتستر بها لذا رفض أقباط مصر استعمار القسطنطينة ذى الديانة المسيحية فى مرحلة ما قبل الإسلام وفى ما بعده كرهوا الاستعمار العثمانى ذا الديانة المسلمة وطوال تاريخ المصريين لم تنجح أى قوة عمدا أو بغير قصد فى التشويش على وعيهم أو الجنوح به بعيدا عن ثوابتهم وهذه هى صفة المصريين الأساسية التى يعرض لها كتاب ثورات وتمردات المصريين منذ الاحتلال العثمانى حتى عام 1952 تأليف المؤرخ والمحقق النابغة عبد العزيز جمال الدين الصادر عن دار الثقافة الجديدة.

يبدأ الكتاب كما جاء فى العنوان من الاحتلال العثمانى لمصر لكن جمال الدين يسبق فى لفتة موجزة للغاية ذكية ودالة إلى دور مصر قبل الولوج فى مرحلة هذا الاستعمار البغيض فيقول «منذ بداية القرن الثالث عشر إلى بداية القرن السادس عشر لعبت مصر دورا تاريخيا هاما فى منطقتها 1- كمدافع صلب ضد الصليبيين والمغول 2- كحافظ لثقافة المنطقة الممتدة من الهند شرقا إلى شمال إفريقيا وجنوب أوروبا غربا فمن المعروف لدى المؤرخين أنه لو كانت مصر قد سقطت أمام الحملات الصليبية وقيمها البربرية لانهارت حتى فرص النهوض بالنسبة إلى أوروبا، التى ما كانت لتقوم لولا صمود ثقافة منطقتنا أمام جحافلهم المدمرة، وكذلك الحال لو قُدّر لمصر السقوط أمام الغزوات المغولية لسقطت كل المنطقة ثقافيًّا وحضاريا ولانعدمت فرصة النهضة الأوروبية.

ينتقل الكتاب إلى بداية موضوعه باستعرض بداية الاحتلال العثمانى لمصر وما صاحبه من فظائع وهمجية ونهب ويكشف الكتاب وضاعة سليم الأول الذى أعدم الأمراء والمماليك المحبوسين بعد أن أعطاهم الأمان ورغم استيلاء العثمانيين على القاهرة فإن المقاومة الشعبية استمرت ضارية ضد هذا الاستعمار مدة طويلة.

وكاد سليم أن يهلك هو وجنوده لولا خيانة جديدة من الأعراب أهلكت طومان باى ومن معه ولأن العثمانيين أجلاف لا علاقة لهم بحضارة المدن والعمران قام السلطان المستعمر وقد تملكته الغيرة وأعماه الحقد بإفراغ مصر من كل أصحاب الحرف للقضاء على مقوماتها الحضارية فأخذهم أسرى إلى إسطنبول كى يشيدوا له صروحًا وصناعات كتلك الموجودة فى القاهرة أخذ المهندسين والبنائين والنجارين والحدادين والنقاشين المزخرفين والملونين وصناع النسيج والسلاح والسفن ولم يترك حتى صناع العصير ومنتجى الفرُّوج.

انتهت واقعيًّا عصور الظلام الكئيبة من حكم العثمانيين بوصول الحملة الفرنسية إلى مصر حيث أبدى المصريون مقاومة عنيفة ضد المستعمر الجديد أجبروه بعدها على الانسحاب بعد معارك طاحنة فى كل مكان من أرجائها، واشتهرت معارك كدنديط وأبطال أفذاذ كحسن طوبار لكن هذا لا ينفى عن الحملة الفرنسية دورها فى تنظيم الحياة اليومية وإدخال نظم الإدارة الحديثة واعتبر المصريون وقتها أن هذا تدخُّلًا فى حياتهم واعتداء على خصوصياتهم ولم يفطنوا إلى أهمية الأنظمة العصرية فى ضبط شؤون الحياة وضمان الحقوق بعد أن كانوا قد غاصوا طويلا فى مستنقع الاستعمار العثمانى المتستر بغطاء الدين المتخذ كذريعة لبسط الهيمنة وتعميق التخلف والإقصاء بعيدا عن التطور والتجديد، ثم بدأت مرحلة جديدة يعرض لها الكتاب بعد خروج الفرنسيين، وهى فترة اضطراب وهبّات شعبية قوية انتهت بأفول سيطرة المماليك وبدء تضعضع هيمنة الباب العالى وصعود محمد على إلى سدة الحكم كى تبدأ مرحلة جديدة ونجحت المقاومة الشعبية منفردة فى هزيمة البريطانيين فى رشيد دون أى دعم من السلطة مما اضطرهم إلى إنهاء الحملة والانسحاب من مصر.

واستتب الأمر تماما بعد مذبحة القلعة لمحمد على ليبدأ مشروعه الذى تبنى من خلاله العنف فى دفع قوى الإنتاج، مما تسبب فى معاناة كبيرة للمصريين فقامت تمردات كبيرة قبلى وبحرى من أهمها ثورة قرية البعيرات فى الأقصر التى أقامت حكمًا ذاتيا امتد حتى أسوان انتهى بعد عامين بإحراق القرية وذبْح الثوار وفى بحرى كانت التمردات العنيفة فى المنوفية والشرقية وغيرهما. ثورة 1919 وما تبعها من ممارسات سياسية عن حقيقة هامة، وهى أنه متى تُرك التفاعل الطبيعى بين أبناء الأمة المصرية بغير تدخل من السلطة الحاكمة أو القوى الخارجية وفى ظل مناخ ديمقراطى سليم، فإن مفهوم الهوية المصرية الواحدة، وحقوق المواطنة، تتعزز وتشتد متانة» ثم يتابع المؤلف عن تفاصيل الثورة ووقائعها. ينتقل الكتاب بعد هذا إلى قراءة عميقة لمجريات العمل الوطنى الذى خاضته القوى السياسة والشعبية فى التصدى لاستبداد القصر وتابعيه من ناحية ومقاومة الاستعمار البريطانى من الناحية الأخرى مع امتداد هذه القراءة للتحولات السياسية والاجتماعية وما أحدثته من تراكم فى بِنَى الواقع حتى عام 1952.


لمطالعة الخبر على جريدة التحرير