فرنسا ليست مصر

-  

لم يتوان الإعلام فى مصر عن تصوير مظاهرات فرنسا بصور مضحكة تنم عن جهل بما يحدث فى فرنسا٬ ورغبة غير مبررة فى إسقاط الأحداث الجارية على الوضع فى مصر مع أن المقارنة لا مجال لها من الإعراب٬ ولا تدفع سوى إلى فصل القارئ المصرى عما يحدث فى العالم.

فرأينا أخبارا ومقالات وأحاديث للتوك شو تتحدث عن عظمة الشعب المصرى الذى تحمل صعوبة الإجراءات الاقتصادية بلا اعتراض مع أن الأمر يتعلق بالأساس بالسياسات البيئية للحكومة الفرنسية تلك التى سعت إلى رفع سعر البنزين بهدف تقليل الاعتماد على الوقود وتشجيع السيارات الكهربائية صديقة البيئة. وهو حتى ما دفع ترامب إلى التهكم على السياسات الفرنسية البيئية تلك التى تغاضى عنها هو بدم بارد.

وأخرى أكدت أن عناصر إسلامية التحقت بالمظاهرات فى فرنسا مع أن الأمر يتعلق بسكان الضواحى والأرياف والمدن الصغيرة الفرنسية٬ هؤلاء الذين قرروا الاحتجاج لاعتمادهم بدرجات كبيرة على التنقل بالسيارات الخاصة٬ وعدم قدرتهم المادية على مواكبة ارتفاع الأسعار. وهو ما دعمه اليمين المتطرف فى البداية قبل أن ينضم إلى التظاهرات أو يدعمها بعض المجموعات اليسارية والنقابية أيضًا.

وأخرى تحدثت عن محاولات لإسقاط الدولة الفرنسية فى إشارة إلى أحداث العنف التى شابت هذه التظاهرات، مع أن الأمر لا علاقة له بالدولة إطلاقًا٬ فالغالبية العظمى تعترف بشرعية النظام الفرنسى٬ بل يتعلق٬ بالأساس٬ ببحث مجموعات شعبية لإيصال صوتها ومطالبها. وبما أن هذه الاحتجاجات لا تؤطرها نقابات أو أحزاب منظمة٬ فشابها العنف الذى عادة ما يصاحب مثل هذه النوعية من التظاهرات. فالتنظيمات السياسية والنقابية تحمى وتسهل عملية التفاوض٬ وهو ما لا يفهمه البعض حتى الآن.

أما عندما تراجع ماكرون وحكومته أمام هذه الاحتجاجات الممتدة زمنيًا ومكانيًا٬ فقرر تعليق رفع أسعار الوقود لعدم وجود اتفاق مجتمعى بشأنها٬ سكتت وسائل الإعلام المصرية٬ ولم تعد تتحدث فى الأمر. فلا يبدو أنه على هواها أو هوى النظام الحالى فى مصر. فالحقيقة هى أن هذه المظاهرات نجحت بالفعل فى الوصول إلى مأربها ألا وهو إجبار الحكومة الفرنسية على التراجع عن قرار لم يوافق عليه المجتمع٬ خاصة أن استطلاعات الرأى الفرنسية أكدت دعمها لهذه الاحتجاجات بنسبة فاقت الستين بالمائة. وبما أن فرنسا ليست مصر٬ فقد استجاب نظام ماكرون مقرًا بأن أى إجراء لا يتوافق بشأنه المجتمع لابد أن يتم تعليقه لحين التحاور الكافى بشأنه.

لمطالعة الخبر على المصرى اليوم