"عشان لو فلسع ماتتفاجئيش".. 5 خطوات تساعدك تكشفى كدب الشريكوزير الخارجية يطالب بإنهاء الصراع الفلسطيني«مرصد الكهرباء»: 8 آلاف و900 ميجاوات زيادة احتياطية متاحة عن الحمل المتوقع اليومصحة القليوبية تراجع الخطة التنفيذية لمبادرة الرئيس بشأن فيروس سىخبير تربوي: كثير من خريجي الدبلومات الفنية لا يجيدون القراءة والكتابةوفاة شاب أصابه تيار كهربائي من "كولدير" بأحد شوارع المطريةأحمد موسى: المخابرات الإيرانية قد تكون وراء "هجوم الأهواز"الأوقاف: قرار منع سعيد رسلان من الخطبة إداري ونعيد النظر فيههاني الناظر عن تسبب مرقة الدجاج للسرطان: كلام غير علمي (فيديو)خبير تربوي: خريجو الدبلومات الفنية لا يجيدون القراءة (فيديو)مصطفى راشد عن مشاركته في «الجونة»: رسالة للمتطرفين بأن السينما حلالالخشت: الطابور الخامس يروج الشائعات لإحداث خلل في المجتمعأحمد موسى يسخر من الحرس الثوري الإيراني بعد هجوم العرض العسكريملخص مشاركات السيسي السابقة فى أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة"طالبة زهقانة" تعيد تصميم فساتين نجمات مهرجان الجونة: الشكل مفاجأةسائقو وعمال النقل العام: إهمال طبي في مستشفى الهيئة ونصرف الدواء بعد شهرأحمد موسى: "ماعندناش معتقلين ولا قانون طوارئ.. إحنا مش زي تركيا"15 صورة من الاحتفاء بالنجم باتريك ديمبسي بمهرجان الجونة السينمائيرامي جمال يجدد تعاقده مع نجوم ريكوردز لمدة 5 سنواتمباشر في إسبانيا - ريال مدريد (0) - (0) إسبانيول.. كورتوا يظهر

صفحات لم تنشر من سيرة المفكر والسياسى الدكتور ميلاد حنا : كنت ضد تعيين الأقباط فى البرلمان (الحلقة الأخيرة )

-  
اجتماع فى الوفد بحضور فؤاد سراج الدين وإبراهيم فرج

تبدو قدرة الدكتور ميلاد حنا الاستشرافية فى ذروتها فى هذه الحلقة وسيرى القارئ أن كثيرا من الإصلاحات التى تمت على النظام الانتخابى فى مصر كان هو من أوائل من تحدثوا عنها فى مصر ويروى الدكتور ميلاد كيف قبل التعيين فى البرلمان رغم أنه كان ضد تعيين الأقباط ويكشف أن إبراهيم باشا فرج، سكرتير عام حزب الوفد، وزوجته طلبا منه أن يكون سكرتيرا عاما للوفد أى يجلس على نفس مقعد مكرم عبيد باشا، لكن يساريين وزوجة الدكتور ميلاد والكاتب الصحفى المقرب من دوائر الحكم الأستاذ موسى صبرى جعلوه يعتذر. يتحدث الكاتب عن زلزال سبتمبر 1992 وكيف كان سببا فى مزيد من الشهرة له، وأخيرا يسرد لنا تجربة إنسانية مؤثرة عن إصابته بالسرطان ونجاته منه وكيف قال له الكاتب الكبير الدكتور يوسف إدريس حين زاره: يا عم ميلاد انت بتختبر محبتنا ولا إيه؟

اجتماع مع الملك عبدالله

بادرت بالكتابة فى جريدة «الأهالى»- لسان حال حزب التجمع - عن حاجة مصر لنظام انتخابات جديد، واقترحت الانتخابات بنظام القوائم النسبية، وقدمت شرحا وافيا- وجديدا على الرأى العام فى تقديرى - للنظم المعمول بها فى ألمانيا والسويد، ودهشت عقب هذه المقالات إلى أن أعلن الرئيس مبارك عن أنه لو كان هناك احتمال لتعديل نظام الانتخابات، فإنه يميل لأن يكون بنظام القوائم النسبية للأحزاب السياسية.

وبالفعل وفى شهر إبريل عام 1984 كنت على رأس قائمة من عشرة مرشحين لقائمة حزب التجمع للانتخابات النيابية عن منطقة شمال القاهرة والتى تشمل دوائر: شبرا، روض الفرج، الساحل، الشرابية، الزاوية الحمراء، وهى منطقة واسعة جدا يبلغ تعدادها نحو 2.5 مليون نسمة، وقد رأى الحزب - بعد أن أصبحت مناضلا (أى سوابق سجون)- أن يكون اسمى على رأس القائمة، وخضت معركة انتخابية رائعة أثرت فى حياتى فاكتسبت معها وبها خبرات هائلة فى التعامل مع فئات اجتماعية مختلفة من الطبقة الوسطى، ومنها موظفون ومهنيون وصولا إلى الباعة المتجولين وعمال عنابر السكة الحديد والنازحين من الريف إلى القاهرة ليقيموا فى أحياء «عشوائية»، ولوجود هذه الدائرة المتسعة فى وسط القاهرة أى قرب الإعلام والصحافة من الداخل أو الخارج صار أسمى متواجدا على الساحة السياسية، وقد تمرست أكثر خلال جولاتى الانتخابية فى الخطابة النارية المثيرة لعواطف الجماهير واشتد عودى، وعرفت «ديّتها» فإذا كنت قد دخلت المعتقل فما «خوف الغريق من البلل»؟، وللأسف ولأن النظام الانتخابى الذى وضع كان غير محبوك، والتجربة بنظام القوائم كانت حديثة، ولأن القانون قد صمم لاستبعاد حزب التجمع بالذات، فقد فرض القانون أن الحزب الذى يحصل على أقل من 8% من جملة الأصوات على مستوى مصر كلها يخرج تماما من السباق، وهكذا خرج كل مرشحى حزب التجمع، فأصبنا جميعا بحالة من الإحباط وظهر أن ذلك هو المخطط والمقصود!

وفى أوائل شهر يونيو 1984، أتصل بى الدكتور أسامة الباز وأبلغنى بأن الرئيس مبارك يود لو قبلت أن أعين فى مجلس الشعب وهو يعرف أنك قد صرحت بأنك ضد فكرة ومبدأ «تعيين الأقباط»، ولكن الرئيس يود أن يمارس مبدأ جديدا وهو تعيين بعض المتخصصين والخبراء حتى وإن كانوا من المعارضة، للاستفادة منهم فى إدارة بعض لجان مجلس الشعب، وأتمنى أن تقبل عرض الرئيس، ولما كان حزب التجمع قد قرر مقاطعة المجلس كرد على خروجه من حلبة السباق كلها، قال لى أسامة الباز إن الرئيس سوف يحل هذه الإشكالية مع الأستاذ خالد محيى الدين، وبالفعل اتصل بى الرئيس واتفقنا. ومن المصادفات السعيدة أننى قد أديت اليمين الدستورية فى جلسة بمفردى - تصادف أن كان يوم 24 يونيو عام 1984، أى يوم عيد ميلادى الستين بالتمام والكمال، فشعرت أنها بداية لحقبة جديدة أمارس فيها العمل السياسى القريب نسبيا من السلطة، فقد تم انتخابى بالتزكية رئيسا للجنة الإسكان بمجلس الشعب، وعكفت على دراسات معمقة حول أخطر قضية تمس الجماهير فى مصر وهى السكن ذو التكلفة المعقولة، وقمت بفتح جلسات استماع وحوار، وكان لكل ذلك دوى فى الشارع المصرى وربما أكتب تفاصيل ما جرى فى تلك الحقبة من شد وجذب وصراعات فى المستقبل. كانت حقبة حزينة انتهت إلى أن استقلت من لجنة الإسكان، إذ وجدت نفسى محاصرا بمجموعة من أعضاء الحزب الوطنى الكارهين لان أكون رئيسا لهم، والرافضين لمقترحاتى بوضع تشريعات تخفف من حدة أزمة الإسكان، فأغلقت ملف العمل السياسى.

عروض من الأحزاب وعزوف عن السـياسـة

بقبولى التعيين فى مجلس الشعب، حدثت جفوة مع قيادات حزب التجمع، وعلى الرغم من عدم تقديمى استقالة من الحزب، فإن علاقتى مع الحزب كانت وكأنها متوقفة أو مجمدة بعد عام 1986، ثم كان أن تقرر حل مجلس الشعب عام 1987 على خلفية أن المحكمة الدستورية العليا كانت بصدد إصدار حكم بعدم دستورية هذا المجلس من منطلق أن الانتخابات قد أجريت بنظام القوائم النسبية الحزبية، مما يعنى قصرها على أعضاء الأحزاب وحدهم أى حرمان أى مواطن ليس له انتماء حزبى من فرصة الترشيح مما يتعارض مع المادة 40 من الدستور والتى تقرر بوضوح المساواة التامة بين كل المواطنين، وكانت الفترة عقب حل المجلس هى الأخرى فترة خمول سياسى لكن خلالها انفتح الطريق لأن أتحول إلى شخصية عامة مقبولة من بعض الأحزاب السياسية الكبيرة. وجرى تواصل بينى وبين إبراهيم باشا فرج - سكرتير عام حزب الوفد- وكان قد عرض على أسرتى أن يدافع عنى عندما استدعيت للتحقيق معى بمكتب المدعى العام الاشتراكى قبل الإفراج عام 1981، ولذلك تفاصيل تخرجنى عن السياق العام، أقول زارنى إبراهيم باشــا وزوجته - مدام/ كوكـب - وطرحا أنه قد تجاوز وقتها الثمانين ويود أن يعتزل النشاط اليومى فى الحزب، وأنه قد اتفق مع فؤاد باشا سراج الدين رئيس حزب الوفد، وفى ضوء التقليد الذى كان قد استنه حزب الوفد القديم منذ نشأ وهو أن يكون السكرتير العام للحزب قبطيا (وكان أبرز من شغل الموقع هو الزعيم مكرم عبيد) لذلك فإنه عرض على أن أقبل الانضمام إلى حزب الوفد حاليا، توطئة لأن يتم عمل ترتيب داخلى أكون بمقتضاه سكرتير عام الحزب. راقت لى الفكرة وشعرت بأنه تكريم ضخم، وربما تحقيق لحلم قديم، لم أفصح عنه صراحة وهو انبهارى بالزعيم مكرم عبيد منذ الصبا، ولذلك كان ردى إيجابيا، هذا شرف كبير لى، وسأفكر وأقوم بالرد عليكم.

إبراهيم شكرى

تسربت المعلومات إلى حزب التجمع والى حزب العمل الاشتراكى، وكان الأخير قد بدأ يتخذ توجها «إسلاميا» ملحوظا، وإذا بالعديد من زملائى من قيادات حزب التجمع يحضرون لمنزلى محتجين، كيف تترك اليسار لتكون عضوا قياديا فى حزب الوفد اليمينى..! كانت هذه القضية قد راودتنى وذكرت ذلك بالفعل عند زيارة إبراهيم باشا فرج لمنزلى فأخذ يقص على تصرفاته وحياته وكذلك سيرة النحاس باشا وكيف كان منحازا إلى الفقراء، أى أنه يريد أن يقول إن أهداف اليسار لا تغيب عن الوفد. وجاءنى صديق عمرى د. فايق فريد وهو من كبار رجال وزارة الكهرباء، وكان قد اعتقل فى حقبة عبدالناصر من عام 1959 حتى عام 1964 وكنا متزاملين فى رحلة الحياة من مدارس الأحد إلى التوجه اليسارى مرورا بالزمالة وقت البعثة إلى إنجلترا حتى صرنا وكأننا شقيقان، وكانت زوجتى الكاتبة الصحفية قد اتصلت به، وخططا معا لكى يقنعانى بالاعتذار عن عرض حزب الوفد، ومن وراء الستار كان صديقى موسى صبرى- وكان من أقرب المقربين إلى السادات ورئيس تحرير «جريدة الأخبار»- قد اتفق معهما لكى يمنعا مخططا انضماميا لحزب الوفد، ففى تلك الحقبة كان حزب الوفد هو البديل للحزب الوطنى الحاكم، وبالفعل تكاتفت عوامل كثيرة فاعتذرت، ولم يمض وقت طويل حتى حل موعد انعقاد «اللجنة المركزية لحزب التجمع»، والتى تنعقد مرة كل عدة سنوات فاتصل بى الأستاذ خالد محيى الدين وتحادثنا فى أن يرشحنى لأكون نائب الرئيس لحزب التجمع وكنت - ومازلت - أشعر بأن أقرب الأحزاب إلى قلبى هو حزب التجمع، لذلك وافقت وذهبت بالفعل إلى هذا الاجتماع العتيد وحضرت جلسات بعض اللجان المنبثقة من الاجتماع العام، وإذ بها تناقش نقدا لاذعا للأستاذ فليب جلاب رئيس تحرير «الأهالى» لسان حال الحزب لأن خط الجريدة ليبرالى ليس متشددا بالقدر الذى يرضى أصحاب الفكر اليسارى الراديكالى ثم نقدا لكل من الأستاذ لطفى الخولى، والذى كان يطارح فى ذلك الوقت فكرة إمكانية عمل حوار مع التيارات اليسارية وجماعات السلام فى إسرائيل، ثم مهاجمة د. إسماعيل صبرى عبدالله لأن انفتاحه على الهيئات والمنظمات الاقتصادية الدولية قد يوحى بأنه صار منحازا لأفكار «رأسمالية»!.

خرجت من هذه الاجتماعات الجزئية داخل الغرف المغلقة لأعتذر للأستاذ خالد محيى الدين عن عرضه، ثم كانت المفاجأة الثالثة - والتالتة تابتة كما نقول - وهى اتصال المهندس إبراهيم شكرى رئيس حزب العمل الاشتراكى ليقول لى: إننا مُقبلون على انتخابات عامة وقد تحالف حزبنا مع «الإخوان المسلمين» وأنت تعلم مدى إيمانى بالوحدة الوطنية ومدى احترامى لك لذلك نتمنى أن تقبل أن تكون نائب رئيس الحزب حتى يكون حزبنا مقبولا من الأقباط، فاعتذرت شاكرا، ولا أقول مندهشا. مع كل تلك الحوادث ترسخ داخلى اقتناع بأنه لا مكان لى فى الحياة السياسية المصرية فى الحقبة القادمة أو بمعنى أدق فى الأحزاب السياسية المصرية، فهى موجودة لتوفر الشكل دون المضمون.

زلـزال أكتوبـر 1992 بداية الشهرة لدى الجماهير

موسى صبرى

كان الزلزال الذى تعرضت له القاهرة- بالذات- يوم 12 أكتوبر عام 1992، أحد أسباب شهرتى الواسعة فى مصر من وقتها حتى الآن. عقب الهزة التى أحدثها الزلزال تصدع العديد من المبانى المتهالكة، وظهرت شروخ فى معظمها أوجدت حاله عامة من الذعر والقلق غير المسبوق، ولأن لكل زلزال كبير توابع من زلازل أخرى أقل خطورة، اعتقد الناس أنهم صاروا داخل حزام «الزلازل» كما ظنوا أن أى شروخ فى المبانى تعنى قرب انهيارها، ولم تشاهد مصر عموما والقاهرة خصوصا حالة من القلق بهذه الحدة وهذا الاتساع، حتى إن كثيرين آثروا أن يبيتوا فى المدارس أو المساجد أو الكنائس.

طلبت الدولة من أساتذة كليات الهندسة أن يتحدثوا إلى الجماهير فى التليفزيون، فزادوا «الطين بلة»، وتفاقم القلق وطلبت منى وزارة الإعلام حوارا تحت عنوان «دردشة»، وبفضل من الله استخدمت تشبيهات بسيطة لشرح الشروخ ليستوعبها الإنسان البسيط ومن بينها قلت: ترى لو حدث أن أمسك طرف «كم الجاكت» بمسمار وتمزق الكم والقميص تحته، فهل يعنى ذلك أن عظام اليد قد كسرت؟، إن تمزق الملابس الخارجية يناظر الشروخ فى البياض خارج الحوائط، ولكى نتأكد من ذلك نضع ورقة سيجارة رقيقة أو بعض الجبس على الشرخ فإذا زاد واتسع الشرخ فالحائط تحرك وعليك أن تستشير مختصا، وإذا لم تتمزق ورقة السيجارة أو يظهر شرخ فى الجبس فإن الحائط يكون قد تحرك بسبب الزلزال وانفصل الحائط عن الهيكل الخرسانى ثم استقر بعد ذلك على هذا الوضع الحالى، ومن ثم يكون الشرخ من تمزق الجلباب أو القميص أى الملابس، ويمكن أن نتركه دون أى خطورة وفى أى وقت يلائمك تملأ الشرخ وينتهى الأمر.

يوسف إدريس

الطريف أنه حدث خلال شهر يناير عام 2001، فى بهو فندق الهيلتون، وعقب إلقائى حديثا فى نادى الروتارى أن جاءتنى سيدة جميلة مثقفة وصافحتنى قائلة: كم كنت أتمنى أن ألتقى بك لأصافحك (واسمها مى عسل) لأنك بحديثك فى التليفزيون فى أكتوبر 1992، قد أنقذت زواجى، فقد كنت خائفة حتى الموت فاتهمت زوجى بعدم الاهتمام بإصلاح الشروخ، وقررت المطالبة بالطلاق، وعندما ظهرت أنت على الشاشة الصغيرة، واستمعت إليك اقتنعت بأن الشروخ غير خطرة واتبعنا نصائحك، وتصالحت مع زوجى وعشنا فى سعادة امتدت إلى الآن.

معجزة النجاة من مرض السـرطان

ربما كانت المعاناة النفسية فى مرحلة الثمانينيات قد أثرت على صحتى ومزاجى، فكان نومى مضطربا وصحتى معتلة مما دفعنى لأن أطوف على أصدقائى من الأطباء، إلى أن وصلت ذات يوم ومصادفة دون ترتيب مسبق لعيادة د. نبيل علوبة، أستاذ المسالك البولية بقصر العينى، فقد كنت أعانى مثل كل الرجال فى عمرى، من الاستيقاظ عدة مرات ليلا للتبول، فقال: شأنك شأن كل رجل تعدى الستين فى اتجاه السبعين، لماذا لا تذهب لمستشفى جامعة عين شمس التخصصى، وكلهم هناك أصدقاؤك ولنجرى لك فحصا على «الجوف» كله بطريقة الموجات الصوتية، فقد صارت هذه الأجهزة متاحة لنعرف حجم البروستاتة والمثانة، ولنعرف ما إذا كان هناك بعض الحصى بالكليتين، كان ذلك يوم 5 فبراير عام 1991، وكان تذكار عيد زواجى وتم فحصى بالسونار، ولم ألاحظ إلا اهتماما زائدا بى، وعللت ذلك بأن الأطباء أصدقاء وأبناء، ثم قالوا: سنفحص الصور المتعددة ونكتب التقارير وسوف نرسلها لك على منزلك عند إتمامها. اتصلوا هم بزوجتى، وبأسلوب هادئ، أبلغوها بالخبر الحزين وهو أن الكلية اليمنى قد تحولت إلى كتلة من السرطان.

وعند عودتى ظهرا لمنزلى، لم تذكر زوجتى شيئا بل كانت فى انتظارى ترتدى أفخر ملابسها وجاهزة لنخرج سويا إلى مطعم إيطالى خاص فى فندق شيراتون له عندنا ذكريات سعيدة، فقد كان أول مكان اتجهنا إليه سويا يوم أن خرجت من المعتقل فى نوفمبر عام 1981 فصرنا «نحج» إليه فى كل المناسبات السعيدة..؟ شربنا النبيذ «الروزيه» وضحكنا ونحن نحتفل بهذه المناسبة الخاصة، وقامت ايفلين بتمثيل دور السعادة وكيف أنها قضت معى أحلى سنوات العمر، ولم أكن ألاحظ أنها «ممثلة بارعة» لأننى لم ألحظ فى غمرة السعادة والحب - ما تحمل من أخبار حزينة داخلها، فى مساء ذات اليوم، استدعت إيفلين - كعادتها فى كل موقف حرج ـ صديق عمرى فائق فريد، وكانت قد ذكرت له على الهاتف خبر سرطان الكلى، وفى لحظة قاسية، أبلغانى بحالتى الصحية دون الإفصاح عن كل الحقيقة، وأنهما قد اتفقا مع أشهر جراح د. حازم تركى ليفحصنى فى صباح اليوم التالى وهو ما تم بالفعل. وبعد أن فحص تقارير وصور الموجات الصوتية قال لى فى هـدوء! إن الله يحبك ولابد من إجراء عملية فى أقرب وقت، ولكننا فى حاجة لعمل أشعة أخرى مقطعية، لنقدر الموقف تقديرا سليما قبل الجراحة، وهو ما تم، وقام بإجراء عملية استئصال الكلية السرطانية فى مستشفى السلام بحى المهندسين ويقع على مقربه من منزلى ولكننى لاحظت أن كل الأطباء فى حالة استنفار فصاحب المستشفى د. فتحى إسكندر موجود بنفسه للتجهيزات، وهو أيضا أستاذ جراحة مرموق فى قصر العينى، ود. جميل سيف، المدير العام للمستشفى، يستقبلنى بابتسامة ظاهرية تخفى القلق والتخوف من المجهول، ولكننى كنت رابط الجأش ومحاطا برعاية أسرتى الصغيرة، زوجتى الجميلة، ومعها هانى ابنى الوحيد «الشاب» ومعه ابنتى الصغيرة مارى وكانت تعمل محاسبة فى نفس المستشفى أما ابنتى الكبيرة مشيرة فقد اتصلت هاتفيا للاطمئنان على صحتى كما لو كان وجدانها شعر بما يجرى فعرفت خبر دخولى المستشفى، وهكذا دخلت إلى حجرة العمليات يوم 10 فبراير عام 1991 لمدة سبع ساعات، وبعدها أمضيت ساعات أخرى فى العناية المركزة، وعندما وعيت إلى نفسى وجدت أمامى د. حازم تركى وهو (رجل متدين دون تعصب) وقال: مبروك أنت رجل طيب، فأثناء العملية كنت أشعر وكأن هناك أيادى غير منظورة تساعدنى فى نزع «الكلى» وتمت هذه العملية بنجاح دون المساس بالغشاء الرقيق الذى يحتويها Capsulated. فقد كان حجمها فى حجم طفل سمين حديث الولادة إذ زاد وزنها على 5 كيلو جرامات وأخذ لها ابنى هانى صورا فوتوغرافية، وأرسلوا منها عينات إلى أستاذ متخصص فى اختبارات خلايا الأورام. تدفق إلى المستشفى عشرات (وربما مئات) من الأقارب والأصدقاء وكان أكثرهم مرورا هو الكاتب القصصى الموهوب د. يوسف إدريس، وكذلك الصحفى البارز الموهوب أ. موسى صبرى، وعلاقتنا العائلية فى حاجة إلى فصل آخر من هذه اللقطات. وقد بدأت أتماثل للشفاء من الجراحـة بعد أسابيع قليلة.

فى غضون أيام دخل على يوسف إدريس بمشيته المتأرجحة الخاصة وكأنه يرقص وحاملا بين يديه أكبر بوكيه ورد من عصافير الجنة، قائلا: يا عم ميلاد لقد أزعجتنا، ورغبت أن تختبر حبنا لك، لقد كنت قلقا جدا عليك، بذات القدر الذى لمسته لقلقك على فى كل مرة كنت أخضع لعملية جراحية سابقا، لقد كنت أقرب صديق لى، وشعرت بمشاعرك اليوم، عندما تقابلت اليوم كطبيب سابق مع زميلى د. حازم تركى (وكان صديقا ليوسف إدريس وزميلا له فى كلية الطب فى الخمسينيات) وقال لى مبروك لقد فحصت نتائج التحاليل المعملية للخلايا السرطانية للكلى ولكل الغدد الليمفاوية، وكلها تقول إن صديقك ميلاد محظوظ، فقد تخلص جسمه من كل ما كان به من سرطان،، وصار سليما معافى مثل الجنيه الذهب، فتذكرت نفس العبارة المحفورة فى وجدانى إن الكلى أخذت الشر وراحت..!

تقبلت الخبر بسعادة ممزوجة بالتفاؤل، ولكن مشاعرى الداخلية كانت تقول: إنهم يودون إعطائى إحساسا بالطمأنينة، فتركيبتى الإنسانية متفائلة بالطبيعة ولقد رغبت فى أن أقنع نفسى بصحة ما يقول الأطباء وأصدقائى، وفى صباح يوم آخر- وأنا مازلت فى المستشفى- قدم إلى موسى صبرى ومعه السياسى البارع أسامة الباز وكان موسى صبرى وهو جالس نتسامر يمسك رأسه بين يديه، وتساءلت: بماذا تشعر يا موسى أجاب: صداع شديد لا أعرف سببه، قلت هل أخذت إسبرين، أجاب: أظن أن الموضوع أكبر من ذلك بكثير..! كنت أدرك أن موسى صبرى يشكو من السرطان فى القولون وكان يقرأ كتبا كثيرة طبية، عندما كانت زوجته أنجيل مريضة بالسرطان وقد قاست منه كثيرا إلى أن رحلت فى إبريل 1982، وكانت منذ منتصف السبعينيات قلقة جدا على نفسها بسبب السرطان ولكن عند خروجى من المعتقل وجدتها غاضبة على زوجها موسى لأنه لم يتوسط لدى السادات لكى «أنجو» من الاعتقال، ولكن يبدو أن الموضوع كان أكبر منها ومن موسى ولذلك تفاصيل ربما أكتبها فيما بعد، ولا أجد أخبارا أكثر إثارة من أن أذكر أن يوسف إدريس قد رحل عام 1991 بعد رحلة مأساوية وجراحات عديدة فى المخ بمستشفيات القاهرة ولندن فكان رحيله صدمة رهيبة لى، إذ شعرت بأن فى ذلك مأساة درامية، فأنا المريض بسرطان فى الكلى، ويوسف إدريس الطبيب الكاتب الموهوب يرحل فى ذات السنة وكان قلقا على احتمال رحيلى، وبعدها بسنوات قليلة، رحل موسى صبرى بسبب انتقال السرطان من القولون إلى العظم، وكانت بداية انتقال هذا المرض الخبيث هو حالة الصداع الذى شعر بها يوم أن زارنى فى المستشفى مع أسامة الباز، فكتبت مقالا أعبر به عن مشاعرى بعنوان «رحل الصديقان وتركانى وحدى» معبرا عن هذه المأساة والمفارقة الإنسانية بين الموت والحياة! هذه القصة كانت نقطة تحول أخرى فى حياتى، أكبر من المعتقل أو أى معاناة أخرى، أحسست معها وبها أن العلى القدير قد أصدر «قرارا إلهيا» بمد مدة الحياة لأجل لا يعلمه إلا هو، ولذلك زاد إحساسى بالطمأنينة الداخلية، وزاد احتقارى للسلطة ولمن يجرى وراءها ويتمسك بزيفها، وزاد تعلقى بقضايا الوطن وبسطاء الناس وقد لازمنى هذا الإحساس حتى كتابة هذه السطور ففى الحياة مفارقات لا يدركها عقل إنسان.

لمطالعة الخبر على المصرى اليوم

أخر الأخبار

الاكثر مشاهدة