تشجير المدخل الجنوبي في سمالوط بالمنياقرار جديد من اتحاد كرة اليد ضد فرق الزمالك"خارجية البرلمان" تناقش شؤون المصريين بالخارج بحضور وزيرة الهجرةرئيس الوزراء: سعيد لتوافر جميع السلع الغذائية للمواطنين بأسعار مناسبةالوادي الجديد تعلن عن وحدات سكنية بمركز الداخلة"مميش" يهدي "مدبولي" درع قناة السويس"المانيفستو" يكشف سر تجاهل الإعلام القطرى لتصريحات أسرة "خاشقجي"لتقليل فرص الإصابة بسرطان الثدى.. تناول الخضراوات والألبانالخارجية تنظم زيارة للدبلوماسيين الأجانب المعتمدين بالقاهرة إلى العاصمة الإداريةصور.. إحماء لاعبى منتخب مصر قبل مواجهة سوازيلاندفيديو.. إقبال جماهيرى ضعيف على مباراة مصر وسوازيلاندس و ج.. هل ستقام عمومية الزمالك الطارئة يومى الخميس والجمعة؟تفاصيل لقاء السيسي مع رئيس الوزراء الروسيبالصور.. افتتاح مقر نقطة شرطة المستقبل في المنياعلوم القاهرة تفتتح معرضًا للتصوير الفوتوغرافي للطلابخبير استراتيجي يشيد باتفاقية الشراكة الشاملة بين مصر وروسيابكوتشى وفستان.. جوليا روبرت تتحدى خوفها من المرتفعات فى عمر الـ50"الوطنية مفيهاش هزار".. حبس مدونة صينية بسبب عدم احترام نشيد البلادتنفيذ 1078حكما قضائيا و770مخالفة مرورية فى حملة بالقليوبيةوزير الشباب والمحافظ يتفقدان مضمار الهجن والمركز الدولى للمؤتمرات بشرم الشيخ

انتصار التنوير

-  

بعد الواحدة من صباح الأربعاء، أعلنت السيدة وزيرة الثقافة د. إيناس عبدالدايم، أسماء الفائزين بجوائز الدولة لهذا العام فى الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية، بمختلف مستوياتها، أى التشجيعية والتفوق والتقديرية والنيل، وقد أضيف إليها هذا العام جائزة جديدة، هى الجائزة العربية، التى تمنح لمبدع عربى، أى غير مصرى، وفاز بها فنان سورى هو «يوسف عبدلكى».

ويلفت النظر انحياز الجوائز هذا العام للتنويريين من المبدعين والفنانين والمفكرين، خاصة جوائز النيل، فقد ذهبت فى العلوم الاجتماعية إلى الفيلسوف د. مراد وهبة، وفى الآداب إلى الناقد د. صلاح فضل، وفى الفنون إلى المبدع د. مصطفى الرزاز.

ومن المهم التنبيه إلى أمرين: الأول أن الجوائز تمنح سنوياً بالتصويت، فيما عدا الجوائز التشجيعية التى تمنح بتحكيم علمى، ومن ثم فإن الفوز يعود إلى الضمير الجمعى لأعضاء المجلس الأعلى للثقافة، الذين هم خلاصة الخلاصة فى الثقافة المصرية، ومن ثم فإن التلميحات التى كانت تقال أحيانا حول أنهم يتلقون توجيهات أو إيحاءات من وزير الثقافة أو من مسؤولين كبار، كلام معيب وأثبتت الأيام عدم جديته.

الثانى أن التصويت يكون على الأسماء التى رشحت، والمجلس الأعلى لا يقوم بالترشيح ولا وزارة الثقافة وجهات الترشيح هى الجامعات المصرية الرسمية فى المقام الأول، وبعض الهيئات والجهات العلمية والأدبية والفنية فى بلادنا، ومن ثم فإن عدم ترشح أحد الأسماء الكبيرة تسأل عنه تلك الجهات، وكل جهة تضع معاييرها الخاصة فى اختيار من ترشحه؛ مع استثناء جائزة التفوق، التى يحق فيها أن يتقدم الفنان والباحث والأديب بترشيح نفسه.


وتلك كانت معضلة الفيلسوف مراد وهبة، الذى بلغ التسعين وكرم فى العالم كله، بينما لم تقدم أى جهة على ترشيحه لسبب بسيط هو أنه يسبح فكريا ضد التيار، إلى أن انتبهت وزارة الثقافة، فتم تكريمه بالمجلس الأعلى للثقافة، فى سبتمبر الماضى، وقام مجلس أكاديمية الفنون بترشيحه للجائزة، وكان أن فاز بها، وتلك أيضا كانت معضلة د. محمد رياض، أستاذ الجغرافيا، الذى رشح العام الماضى فقط للتقديرية وفاز بها.

وبين الفائزين الثلاثة بجائزة النيل عدة خيوط تجمعهم، وتؤكد انحياز المجلس الأعلى، لما يمثلونه من فكر وإبداع. د. مراد وهبة أستاذ الفلسفة المعاصرة، تخصص فى فلسفة «جسون» الفيلسوف الفرنسى المعاصر، وجعل همه طوال عمره أن يخرج الفلسفة من برجها العاجى إلى الشارع، وبدلا من أن تكون شغل صفوة المفكرين، وتحبس فى «جيتو» خاص بهم، تنتقل إلى الحياة العامة وإلى المواطن العادى فى الشارع، والحق أن الفلسفة كانت كذلك على عهد سقراط، حيث أشرك سقراط وتلاميذه المواطن العادى فى أثينا وجعلوه طرفاً فاعلاً فى المحاورات الفلسفية، ثم جاء بعده أفلاطون ليسحبها من الشارع إلى الأكاديمية لتصبح شأنا خاصا بالصفوة. شغل مراد وهبة حياته بإحياء مدرسة ابن رشد والتأويل العقلى للنصوص الدينية، وقد وضعه ذلك فى موقف عدائى مع كل الأصوليات.. سواء كانت أصولية دينية أو أصولية سياسية وفكرية، وربما بسبب هذا الموقف جرى تجاهله طويلا وإنكار دوره، ولولا أن الرجل يعمل بإيمان حقيقى أن من حق هذا الوطن أن ينهض ويتقدم ليئس وانسحب منذ عقود.

وفى وقت كانت الجماعات المتشددة تسيطر على الجامعات، ولما اغتيل د. فرج فودة، تخوف البعض وخاف البعض من أن يجهروا بآرائهم وأفكارهم، لكن د. مراد وهبة كان واحداً من مجموعة آثرت أن تقول كلمتها، وتمضى، بلا وجل ولا تردد، وحتى حينما صعدت جماعة الإخوان إلى الحكم، وتأخونت أعداد لا بأس بها، بقى د. مراد يقول إنه لا منجاة لمصر إلا بنظام مدنى/ علمانى، وكى يقطع الطريق على المزايدين ودعاة الجهالة، قدم تعريفا للعلمانية بأنها «التفكير فى النسبى بما هو نسبى وفى المطلق بما هو مطلق».. أى أنها لا تعادى الدين ولا تصادم العقيدة. المفكر والمثقف الحق بقدرته على أن يعلن أفكاره للناس، وأن يتحمل مسؤوليتها ويدافع عنها، ودائما من يقدم الجديد يتعرض للعنت وربما الرفض، وهكذا كان مراد وهبة.

أما د. صلاح فضل، فهو حجة فى النقد الأدبى، وفى السنوات الأخيرة وسع دور الناقد لينتقل من النصوص الأدبية إلى الحياة العامة، لذا وجدناه مشاركا بقوة فى التحركات العامة، قبل يناير 2011، لمحاولة استنقاذ الوطن والدولة من هوة التوريث والجمود والفساد وبعد الثورة كان حلقة وصل بين عدد من كبار المثقفين ومشيخة الأزهر الشريف، لصياغة مجموعة الوثائق التى صدرت، فى مواجهة دعاة الفوضى ودعاة الدولة الدينية معاً، وكان هناك تحالف بين الفريقين، باعتبار أن كلاً منهما يقود إلى الآخر، لعب صلاح فضل دوراً بارزاً خلال تلك الفترة وكان أكثرنا دأبا ونشاطا وإلحاحا على ضرورة تقديم رؤوس فكرية جديدة.

ويحسب له كناقد أنه قدم عدة أسماء بارزة فى الحياة الأدبية والثقافية العربية من المحيط إلى الخليج، فى أى بلد عربى تذهب سوف تجد تلميذا هنا أو هناك له، تعلم على يديه مباشرة أو قرأ مقالاته ودراساته.

د. مصطفى الرزاز، فنان متميز، ولعب دورا فى الثقافة العامة حين تولى رئاسة هيئة قصور الثقافة فترة، وكان ناجحا متميزا فى إدارته أيضا، ولديه انتماء حقيقى لقيم الوطنية والثقافة الرفيعة، فى عام 2014 كنت أتولى رئاسة مجلس إدارة دار الكتب والوثائق القومية، ثم زار الدار فى أحد الأيام هو والسيدة قرينته، فقد اكتشفا فى مكتبة الأسرة عدداً من المخطوطات النادرة، بينها مخطوطة مصحوبة بلوحات مرسومة، وكان رأيه ورأيها أن أفضل مكان لهذه المخطوطات أن تسلم كتبرع من الأسرة إلى قسم المخطوطات بدار الكتب، ولو أنه عرض هذه المخطوطات للبيع، فإن سعر واحدة منها يقدر برقم مسبوق بستة أصفار، ولم يحبذ وقتها أن يعقد مؤتمرا صحفيا، يعلن فيه التبرع، كان رأيه أنه يقوم بواجبه تجاه وطنه وثقافته.

أردت التوقف عند جائزة النيل باعتبارها الأرفع بين جوائزنا، لكن دون تجاهل لبقية الجوائز، والفائزين والفائزات بها، فى تقديرية الفنون يفوز الموسيقار محمد سلطان والفنانة نادية لطفى وفى الآداب د. عبدالحكيم راضى الناقد والمحقق المتميز والروائى محمد قطب، وفى العلوم الاجتماعية د. سعدية بهادر، التى تحملت لفترة طويلة مسؤولية المعهد العالى لدراسات الطفولة بجامعة عين شمس. الانحياز إلى العقلانية والموقف النقدى والوطنى الصلب والجذرى من جماعات التطرف والتشدد- هو عنوان جوائز الدولة، وإذا كان الضمير الثقافى المصرى فى مستواه الأعلى ينحاز إلى مفاهيم وأفكار الدولة المدنية الحديثة، على هذا النحو، فلنا أن نثق بأن المستقبل القادم أفضل.

لمطالعة الخبر على المصرى اليوم