الأرصاد: حالة طقس اليوم الخميس 19/7/2018"تموين الفيوم": ضبط لحوم وصدور دجاج فاسدة لدى مطاعم بالمدينةمحافظ الفيوم: لا تراجع عن قرار منع زراعة الأرز بالمحافظةرئيس اتحاد الفلاحين يطالب بمنح الصيادين رخص مزاولة المهنة بمناطق البحيراتارتفاع صادرات اليابان بنسبة 6.7% الشهر الماضينبيل زكي: دور المعارضة ضعيف والمنابر غير متوافرة لهابرلماني: قانون الإدارة المحلية في انتظار الفصل التشريعي الرابعتطوير وصيانة 198 مدرسة بتكلفة 471 مليون جنيه في قنا«صحة الشرقية» تعدم 50 كيلو أغذية فاسدة وتغلق 3 منشآت (صور)آخرهم محمد صلاح.. 6 معلومات سبب سفر المشاهير لجزر الماليدفتعرف على حقيقة مرض الفنان جميل راتبننشر درجات الحرارة المتوقعة اليوم الخميسفودة يعقد اجتماعا أمنيا لمناقشة الاستعدادات للمؤتمرات الدوليةكيف تحمى نفسك من الإصابة بفيروس سى عند زيارة طبيب الأسنانباريس جاكسون تتخلى عن التاتو بسبب التصوير فى لوس أنجلوساستشارى علم نفس: العنف يبدأ من الأسرة.. والحرمان وغياب القيم السببقرأت لك.. المليونير التلقائى.. ما الذى حدث للحلم الأمريكى؟الأهلى يبدأ اليوم الاستعداد لمواجهة تاونشيب فى بوتسواناالزراعة: ضبط 175 ألف عبوة مبيدات محظورة.. وتكثيف الحملات لردع المخالفينارتفاع إنتاج بتروبل إلى 580 ألف برميل مكافئ يوميا

أهل التراب

-  

في مقال اليوم، أختم تلك السلسلة من المقالات التي حاولت فيها أن أبحث في مفهوم الخلود والبعث الذى ارتبط برحلة الإنسان على الأرض، وارتبط هذا المفهوم بنوع من القداسة انتقلت لبعض المواد التي اكتسبت، ربما قبل الإنسان، صفة الخلود.

***

"من التراب وإلى التراب تعود" هذه الآية الشهيرة، وربما الأكثر تداولا، في الإنجيل التي تتلى لحظة دفن أحدهم وإهالة التراب على التابوت الخشبي، وتشير أيضا لنهاية رحلة الإنسان على الأرض وعودته إلى التراب، وهي المادة التى خلق منها الإنسان كما تقول الأديان. هذه الرحلة القصيرة التى يقضيها خارج التراب، هى رحلة اغتراب عن أصله الذي جاء منه، كأن الموت يصحح رحلة الحياة وينفي هذا الاغتراب الذي عاناه الإنسان، ليعود إلى موطنه الأصلي في صورة الموت.

***

التراب هو هذا الموطن الأصلي الخالد، الذي يخرج منه ويعود إليه الإنسان، نقطة البداية والنهاية، القوسان اللذان يقضي بينهما حياته. ينظر للتراب كل يوم ويلمسه في أغلب شئونه اليومية، ويتناثر من حوله في أرجاء بيته، على أدواته الشخصية، وعلى حواف شارعه، وفي طرقه القديمة المتربة. في كل لقاء يعرف الإنسان، بوعيه أو بلا وعيه، بأن هذه هي نهايته، التي تنتظر داخل هذه المادة الهشة. النهاية المكشوفة التي لا مفاجأة فيها. كم يعاني هذا الإنسان وهو يرى مادة فنائه وتحوله وبيته شاخصة أمامه كل يوم، تنظر له وتنتظر عودته كالأم الثكلى، تنتظر عودة ابنها.

***

في حياتناـ عاش عالما الحياة والموت معا جنبا إلى جنب، ولا يمكن الفصل بينهما، فنحن نعيش حياتين في حياة واحدة، وكل منهما تؤثر على الأخرى، وتنال منها، وتحاول أيضا أن تنساها وتتجاهلها.

***

لا يتغير التراب ولا يغترب، لأنه لايغيِّر من طبيعته، يتحول ولكن لا يفنى. الإنسان هو الذي يغير من طبيعته، ويرضى بالاغتراب، فحياته على الأرض، قبل عودته النهائية للتراب؛ مرتبطة بهذا الاغتراب، كأن الاغتراب فسحة الأمل في رحلة الإنسان.

***

التراب ثابت بوصفه أحد مكونات الكون الأربع التي قامت عليها الحياة: الماء والتراب والنار والهواء. فمن خلال هذه المكونات خُلق الكون، ومن بعده خلق الإنسان كصورة مستنسخة من الكون، ولكن صورته المتحركة والمغتربة، أي المعرضة للفناء. كأن الإنسان إحدى تجارب هذا الكون الكبير.

تم استخدام التراب والماء لتجهيز الطين، وتم حرق الطين في النار وتم نفخ الروح، الهواء، في هذا الكائن.

يذكر الفيلسوف اليوناني أنبادوقليس، والذي اشتهر بنظريته حول نشأة الكون، بأن الأشياء في الكون مصنوعة من العناصر الأربعة: الماء والهواء والتراب والنار، وعند الموت تنفصل هذه العناصر. الحياة تجمع والموت يفرق، وهناك قوى كالحب تساهم في تجميع ومزج هذه العناصر، وقوى أخرى تعمل على فصلها. الحياة تشكل لحظة المزج القوي بين هذه العناصر، والموت هو الذي يفرقها كل في طريق بعيد عن العنصر الآخر إلى أن تجتمع بلحظة حب/ ميلاد جديدة.

الإنسان أرقى صورة لهذا المزج وحضور لفاعلية هذا الحب كما يقول الفيلسوف أنبادوقليس. والموت هو لحظة تحلل هذه الصورة ورجوع كل عنصر من عناصر الكون منفردا إلى حياته الخالدة قبل أن يكون عنصرا في خلق الإنسان. التفرق هو نهاية الرحلة.

***

في الأساطير البابلية يلعب التراب دورا إضافيا، ليس في خلق الإنسان فقط، بل يمتد حضوره مع الإنسان ليصاحبه حتى وصوله للعالم السفلي. تشير الأسطورة إلى أن العالم السفلي عبارة عن مدينة كبيرة يلفها التراب والظلام، ويأكل الموتى فيها التراب ويشربون الماء الوسخ، كأن التراب هنا عقاب وتحقير لهؤلاء، وانتفت عنه صفة القداسة والخلود والخلق عن هذا التراب كما كان في العالم العلوي. 

يلعب التراب دورين متناقضين، وربما يكتسب خلوده ليس فقط من كونه مادة خلق خالدة، ولكن أيضا كغذاء للموتى الخالدين في هذه مدينة العالم السفلي التي يلفها التراب والظلام والتي تنافس الأرض في خلودها.

***

تمنح قبائل الطوارق* التراب تجسيدا ودورا جديدا في حياتهم اليومية، ربما أكبر من كونه أحد عناصر الخلق. يخلقون منه مجتمعا لامرئيا يعيش بجوارهم يسمونهم "أهل التراب"، يشاركونهم حياتهم، ويحسبون حسابهم في كل شيء ويقرأون طالعهم عبر حركتهم. لأنهم يعيشون في الصحراء، وتلفهم الرياح من كل جانب في هذا الفضاء الشاسع، لذا تتحرك الرياح وتأخذ معها ذرات الرمال لتصنع أشكالا وتنحت أخرى تملأ هذا الفضاء  لتخلق موجودات تعيش معهم في هذه الصحراء، تظهر وتختفي، وتظل العلاقة بينهم وبين "أهل التراب" مستمرة باستمرار السريان والحضور الأبديين للريح والتراب في الصحراء.

***

الطرق المتربة، هي الطرق الأصلية التي لم تدخلها المدنية بعد، والتي تمنح السائرين فيها شاعرية السير القديم وسط سحابة تلتف حول الإنسان كحوصلة من الغبار، تتعقب سيره ولا تتركه حتى تتسلمه الطرق المسفلتة. الطرق الصحراوية، الريفية، أو غير المأهولة تشير لزمن قديم، لأصل من أصول الحياة لا يزال ظاهرا. يعيد التراب تصور مشهد قديم خالد للخلق، خرج منه الإنسان والنبات وكل الموجودات.

........................................................

*الطوارق هم الأمة الأمازيغية التي تستوطن الصحراء الكبرى، في جنوب الجزائر، وأزواد شمال مالي، وشمال النيجر، وجنوب غرب ليبيا، وشمال بوركينا فاسو. والطوارق مسلمون سنيون مالكيون، ويتحدثون اللغة الطارقية. عاش الطوارق حياة بداوة عريقة في الصحراء الكبرى منذ آلاف السنين ولا يزال بعضهم إلى اليوم متمسكا بنمط العيش هذا بسبب التهميش الذي عانوه من الدول التي تقاسمت أراضيهم. ويكيبيديا الموسوعة الحرة

لمطالعة الخبر على التحرير نيوز