من بنوده تفعيل الحوالات الفورية.. اتفاق تعاون بين البريد المصري ونظيره الأردنيالزيني يتفقد معرض غرفة دمياط "أهلا بالمدارس"محافظ الشرقية يكرم أبناء شهداء الشرطة والقوات المسلحة في أول أيام الدراسة |صوررئيس هيئة قناة السويس يستقبل وفدا من البرنامج الرئاسي لتأهيل الشبابغدا في قرعة علنية.. تسليم أراضي قرية المراشدة بقنارئيس مجلس الوزراء يتفقد المستشفى الجامعي بمدينة أسيوط الجديدة"نابو".. متحف جديد في لبنان يسلط الضوء على كنوز "قرون من الإبداع"وزير الخارجية السلوفاكي يقوم بجولة سياحية في أهرامات الجيزة |صور"وراء كل لافتة شهيد حكاية بطل"| "هشام شتا" مدرسة الهرم لـ"شهيد كرداسة"وزير الرياضة يناقش تطوير برامج ومشروعات الإدارة المركزية للطلائعرسالة محمد إبراهيم للاعبي الزمالك قبل مواجهة المقاولون3 شروط وضعها الاتحاد السكندري في مواصفات مدربه الجديدوزير التعليم العالي يتفقد جامعة أسيوط ويشيد بأعمال بانوراما الأنشطةمحافظ كفرالشيخ: توصيل الإنترنت لـ90 مدرسة حكومية وخاصةإنشاء 6 مشروعات بتكلفة 11 مليون دولار بالمنطقة الحرة بالسويسإشادة بعمومية «المظلات».. واستعدادات خاصة لبطولة الأقصر" الداخلية" توقع الكشف الطبي على 191 حالة.. وتصرف الأدوية اللازمة لهم بالمجانتعرف على نتائج حملات "الداخلية" لضبط جرائم حيازة المواد المخدرة والإتجار بهايقام لأول مرة بالإسكندرية.. انطلاق معرض "فارمسي إكسبو" الشهر المقبل |صورةرئيس جامعة حلوان يرفع علم مصر في حفل استقبال العام الجامعي الجديد | صور

لماذا تأخرنا...؟!

-  

هذا السؤال ليس بجديد، بل إنه جزء من أسئلة أكثر أصالة ومحورية مثل من أين جئنا وإلى أين نذهب؛ وفى زمن ليس ببعيد كانت الأستاذة لميس الحديدى تسأل مصر أين وإلى أين للأستاذ محمد حسنين هيكل، وبعد وفاته توقفت الأسئلة ومعها لم ترد إجابات. لماذا تأخرنا؟!.. سؤال جاءت إجابته من الرئيس عبدالفتاح السيسى عندما تحدث تليفزيونيا عن الدور الذى لعبته حرب اليمن فى عام ١٩٦٢ فى إيقاف المسيرة المصرية، وعندما ترتب على الحرب هزيمة يونيو ١٩٦٧ بات التأخر كارثة مستمرة لما لحقها من سنوات. وكما أن لكل حافلة عزما تنتهى عندها حالة السكون وتبدأ حالة الحركة بعدها، وربما الطيران فى حالة الطائرة؛ فإنه لكل أمة مثل هذا عندها يكون النمو الاقتصادى أسرع من النمو السكانى، وتفوق الصادرات الواردات، ويكون الإبداع والابتكار أعلى شأنا من التبعية والتقليد. لفت نظرى خلال الأسابيع الماضية إطلالة قام بها الأستاذ إبراهيم عيسى على عصر ما قبل ثورة يوليو١٩٥٢ فى برنامجه «حوش عيسى» على شخصية أحمد سالم. وبغض النظر عما فى الشخصية من إثارة، فإنها عكست عصرا من الطموح الشديد الذى جعل ابن الشرقية يذهب إلى جامعة «كمبريدج»، ويصير مهندسا وطيارا جرى اختياره بين جماعة من الطيارين ذهبوا لاستكشاف القطب الجنوبى؛ وهى عملية فى ذلك العصر تثير نفس المشاعر والتوقعات التى يثيرها اليوم الوصول إلى القمر والمريخ.

طوال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين كانت طموحات مصر جزءا من طموحات الدنيا، دخلتها السكك الحديدية قبل معظم دول العالم، وكذلك صناعة السينما، وشركات الطيران، وصناعات الغزل والنسيج، وباختصار كانت لدينا ثورة زراعية، وفى الثورات الصناعية كنا فى قلب الثورة الأولى والثانية. الحربان العالميتان الأولى والثانية مع كل آلامهما، عزلت عنا الدولة الاستعمارية، وكان على مصر أن تعتمد على نفسها، وأكثر من ذلك تعتمد المنطقة العربية كلها عليها فى الغذاء والملبس والتعليم والترفيه أيضا. وعندما ابتكر الحلفاء ما عرف «بمركز تموين الشرق الأوسط» لكى يوفر احتياجات المنطقة بعد أن عزلتها الغواصات الألمانية فى البحر الأبيض المتوسط كانت مصر هى قلب هذا المركز بأذرعتها الممتدة فى شرق وغرب المنطقة. هنا بدأت الدعوة العربية تشتد، وكان إنشاء الجامعة العربية ومقرها القاهرة، وسواء كان الأمر داخليا أو خارجيا، كانت مصر تسير مع الدول المتقدمة فى مجالات التعليم والتكنولوجيا والصناعة والزراعة والتجارة. كان جوهر السياسة والحياة المصرية هو إدارة الثروة وتنميتها وفقا لمعايير ومقاييس عالمية متقدمة.

بدأ التأخر عندما انخفض سقف طموحاتنا، أصبح لدينا مقاييس خاصة بالفقراء والضعفاء، وبدلا من زيادة الثروة اعتمدنا على ما لدينا لتوزيعها، نقصت الكعكة المصرية بينما تزايدت الأفواه المقبلة عليها، ومن ذهب منا إلى الخارج فإنه على الأغلب لم يعد محتجا بأن أرض الله واسعة. توقفت عجلة التجديد والسعى والعمل، وبدلا من أن تكون الدولة هى المحركة للاقتصاد، أصبحت هى الاقتصاد نفسه، وفى وقت من الأوقات كان نصف من يحصلون على المرتبات فى مصر مصدرهم الدولة التى باتت تطعم وتعلم وتعرف وتعالج وتنور، وبالطبع تحمى وتأمن. كل ذلك يتغير الآن، وسوف يحسب للرئيس السيسى تاريخيا أنه هو الذى بدأ فى استعادة السقوف العالية للطموح فى المدن والشوارع والتعليم والصحة، وبشكل ما فإن الشجاعة فى اتخاذ القرارات الاقتصادية خلال فترته الأولى وضع مصر على أول طريق التقدم والنمو.

ما ينقصنا هو أنه فى الوقت الذى كان فيه الرئيس أول من طالب بتجديد الفكر الدينى، وهو ما هو عليه من أهمية وحساسية أيضا؛ فإن «التجديد» فى الفكر الاقتصادى والاجتماعى والسياسى أيضا لا يزال فى مراحله الأولية. وربما كان من واجبات الفترة الرئاسية الثانية تجديد هذا الفكر لأن سقف الطموحات الحالية القائمة على «رؤية مصر ٢٠٣٠» يحتاج تعبئة للموارد ليس فقط الطبيعية، وإنما حشد الموارد البشرية القادرة على المبادرة والابتكار وتحويل مصادر الثروة إلى مصانع ومزارع وصادرات وخدمات وسمعة عالمية تنافسية. ولعل مصر محظوظة بقواتها المسلحة وقدراتها على البناء والتشييد؛ ولكن إذا أخذنا فى الاعتبار مساحة مصر ذات المليون كيلومتر مربع، وعدد سكانها البالغ ١٠٠ مليون نسمة أو أكثر، وفقراءها البالغين ٣٠٪ من عدد السكان، و٢٩٪ منهم لا يعرفون القراءة والكتابة، فإن لدينا حاجة ماسة لما هو أكثر من نخبة تعرف كيف تفكر، ومن رأسمالية تعرف كيف تستثمر، وطبقة سياسية تعرف كيف تحكم. ببساطة فإن السؤال الأساسى فى مصر اليوم ليس «لماذا تأخرنا؟»؛ وإنما «كيف نتقدم؟».

مفاتيح الإجابات تبدأ من التخلص من تصور أن على رأسنا «بطحة» تولد حساسيات بالغة إزاء كل كلمة تشير إلى دور الدولة أو القوات المسلحة أو ما جرى من تغييرات سياسية فى أعقاب ثورة يونيو ٢٠١٣. جميع دول العالم تقوم بالحشد والتعبئة وراء أهداف وطنية عليا؛ وفى «السيموفونيات» العظيمة فإن عظمتها تقاس بالقدر الذى فيها من آلات موسيقية، ونغمات، وتنويعات فى السرعة، واختلاف بين التجريد والإيقاع. ولن يكون هناك تجديد للفكر ما لم نصل إلى كلمة سواء فيما يخص «الرأسمالى» و«رجل الأعمال»؛ فخلال عقد الثمانينيات عندما سادت فكرة أن الانفتاح الاقتصادى هو «سداح مداح» بينما كانت الدولة المركزية تتضخم ويزداد عدد العاملين فيها، خرجت مجموعة من الأفلام السينمائية التى تنتهى دائما بأن يخرج شخص لكى يذبح بالساطور أو يقتل بأى وسيلة أخرى صاحب العمل. وكانت النتيجة شركات توظيف الأموال التى أهدرت الثروة المصرية والتقدم الاقتصادى المصرى خلال ذلك العقد. وفى الوقت الراهن لا تزال النظرة السلبية رائجة، فلا يتساءل أحد عن عدد العاملين الذين يجرى تشغيلهم فى القطاع الخاص فى أصوله وفروعه، ولا حجم مساهمته فى الصادرات من الملابس إلى الحديد والصلب إلى الفراولة، ولا ما أدخله للإنتاج القومى من تقدم فى صادرات السلع الزراعية كما حدث فى إدخال سلالات جديدة تتحمل الحرارة والمواصلات كما حدث فى العنب على سبيل المثال، أو أنه أضاف مدنا حديثة إلى مساحات الحضر فى البلاد دون تكلفة على الدولة، أو بعث آبار للبترول جفت.

ليس معنى ذلك أن أحدا فى مصر ينبغى أن تكون هناك «ريشة» على رأسه فلا يمسه أحد إذا أخطأ، ولكن من حق الجميع فى مصر أن يذكر لهم ما لهم، وما عليهم أيضا. تجديد الفكر المصرى يبدأ من نقطة السقوف العالية التى نراها لبلادنا والتى تعنى القيم والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وهذه تكون من خلال زيادة المدخرات القومية، واستثمارها بوسائل متعددة. ما يجرى حاليا من خلال طرح وسائل جديدة للتأمين على الطبقات الاجتماعية الأقل حظا يشكل نوعا من التفكير الجديد الذى يحمى مستقبل الناس، وفى الوقت نفسه يزيد من مساحة الاستثمار القومى. ولكن ما يبدو كما لو كان أفكارا متناثرة، ربما آن الأوان لكى يعكس فكرا جديدا متكاملا ينظر إلى المستقبل ولا يرجع إلى الماضى، يعتمد على العقل والمنطق وليس على الشعارات والحناجر القوية. الخلاصة أن تجديد الفكر الوطنى لا يقل أهمية عن تجديد الفكر الدينى، وتكاملهما هو الذى سوف يصل بنا إلى المقامات العالية للدول المتقدمة.

لمطالعة الخبر على المصرى اليوم