اخر الأخبار»

مقالات

12 يناير 2018 10:15 م
-
صناعة الكذب (1)

الصحف الجادة لا تنشر الأخبار قبل أن تدقق فيها وتتأكد من مصادرها، فلا يعنيها السبق بقدر ما تُعنى بالمصداقية وتحرى الحقيقة، وإن أخطأت فى نشر خبر تعتذر عنه، وإن وثقت فيما تنشر، تتولى حمايته بكل قوة وتتمسك بما جاء فيه حرصا على المهنية والشفافية والأمانة فى التعاطى مع الأحداث بغض النظر عمن هم أصحابها أو المستفيدون منها.

لكن يبدو أمام سيادة سلطان المال على الإعلام، أنه بدأت هذه القيم فى الانسحاب وحلت محلها المصالح التى باتت تحكم وتتحكم فيما يُنشر وما ينبغى أن يُنشر، وما يجب تسريبه لإثارة اللغط والشوشرة أو حجبه لطمس الحقيقة أو التغافل المتعمد عنها.

لقد لعب هذا المال دورا كبيرا فى منطقة الشرق الأوسط بتوظيفه للإعلام بفرض أولويات كان مكانها فى خلفية المشهد وإسقاط أنظمة وتعزيز الصراعات العرقية والطائفية والدينية بين الفرق والجماعات وترسيخ فى وعى الناس ما يخدم أجندات تنصر لوبيات على لوبيات وتمكنها من حصاد مكاسب كبيرة من خلال شائعات وتسريبات وأخبار مفبركة، هدفها تزييف الواقع وتخطئة الصحيح والأخذ بالرأى العام لتناقضات شتى تحبطه معنويا وتفقده الثقة فى ثوابته وتدفعه للإيمان بالأفكار المغلوطة والآراء النابعة من نخبة محسوبة على أهل الرأى بينما هم أشبه بكائنات يتتلمذ على شرها الشياطين.

جدير بالذكر أن طغيان المال زاد تأثيره على الإعلام خاصة الغربى بعد إقصاء نظام الإخوان عن السلطة فى مصر فى 30 يونيو عام 2013، وإذا به متفرغ لما يعزز الخوف لدى المصريين ويرسخ فى وجدانهم الإحساس بفشل الإدارة السياسية فى اتخاذ القرارات الصحيحة والحفاظ على أمن البلاد ودفع عجلة التنمية للأمام، وذلك من خلال نشر التقارير الكاذبة والتسريبات المجردة من المنطقية، فعلى سبيل المثال: عندما سقطت الطائرة المصرية القادمة من باريس فى مايو 2016، وراح ضحية الحادث حوالى 60 شخصا، وبينما كانت التحقيقات المصرية الفرنسية مستمرة ولم يكن قد تم العثور على الصندوقين الأسودين، نشرت قناة «سى إن إن» الأمريكية، تقريرا ادعت من خلاله أن قائد الطائرة قد انتحر وأن انتحاره هذا هو السبب المباشر فى سقوط الطائرة، كما سربت وكالة الأنباء «اسوشيتيد برس» الأمريكية شائعات عن اصطدام أتوبيس سياحى بسيارة نصف نقل فوق كبرى بنى سويف، وسقط نتيجة هذا الصدام قتلى وجرحى وسرعان ما ثبت عدم صحة الواقعة، وفى نفس الاتجاه سارت جريدة «النيو يورك تايمز» الأمريكية الجريدة الأخبث والأكذب والأكثر تأثيرا على الرأى العام العالمى، والتى بدا من الواضح أن أموال جماعة الإخوان جعلت منها بوقا لقياداتها ومنصة للدفاع عن توجهاتها وأفكارها، حتى إن الجريدة نشرت فى يونيو الماضى تحقيقا صور الجماعة وكأنها ضحية مستباحة ممن لا يريدون لها التواجد على الساحة السياسية متجاهلة ما يمارسه بعض المنتمين لهذه الجماعة من أعمال إرهابية يدفع ثمنها المصريون فى سيناء وفى أرجاء المحروسة، كما كذبت هذه الجريدة عندما أعلنت أن حبيب العدلى هرب من مصر ويعمل مستشارا أمنيا لولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، كما نقلت على لسان محامى رئيس وزراء مصر الأسبق أحمد شفيق أنه انسحب من الانتخابات الرئاسية المقبلة نتيجة ضغوط مورست عليه واضطرته للتخلى عن فكرته، وقد نفى أحمد شفيق مثل هذا الأمر جملة وتفصيلا، وفى يوم السبت الماضى أصدرت الجريدة المشبوهة تقريرا مثيرا للجدل ادعت فيه أن الموقف الحقيقى لمصر بشأن القضية الفلسطينية وقرار الرئيس الأمريكى ترامب بنقل العاصمة الإسرائيلية من «تل أبيب» إلى «القدس الشرقية» غير موقفها المعلن، وهناك قبول ضمنى من جانب مصر بقرار ترامب، وعززت ما ادعته بأن بحوزتها تسجيلا لمكالمة أجراها ضابط مخابرات مصرى اسمه أشرف الخولى تضمنت توجيهات لبعض الفنانين والإعلاميين «الفنانة يسرا والنائب سعيد حساسين وعزمى مجاهد ومفيد فوزى» وطلب منهم الترويج شعبيا للقبول بالقدس عاصمة لإسرائيل وبرام الله عاصمة بديلة للفلسطينيين، وعلى الفور تلقفت الجزيرة القطرية وقناة مكملين الإخوانية التسجيل وأذاعته باعتباره انتصارا ساحقا لقطر وأعوانها على النظام المصرى.

وبالرغم مما أثاره هذا التقرير من لغط وجدل على الساحة السياسية، إلا أنه يؤكد على عدة أمور ينبغى الالتفات إليها لعل أهمها ما سوف نفرد له مقال الأسبوع القادم.

لمطالعة الخبر على المصرى اليوم