اخر الأخبار»

مقالات

19 مايو 2017 9:33 م
-
عندما تحصل السبوبة على 1 والإعلام على صفر

في مصر أُقرّت قاعدة رئيسية مفادها «أنك لكى تحصل على كثير من المال عليك أن تعمل في عملين»، أحدهما ثابت ودائم ومؤكد تحت مسمى الوظيفة، وآخر يجلب لك المزيد من الأموال، أطلق عليه اسم «النحتاية»، وأصبحت تقريبًا في حياة كل منا نحتاية.. وخصوصًا لدى من يعمل في مهنة الإعلام، فأصبح الصحفي الجورنالجي يعمل بعد انتهاء ساعات عمله معدًا للبرامج، وأصبح المغني يعمل في وقت فراغه مذيعًا، وأصبح الممثل الذي لا يفقه شيئًا سوى تشخيص الأدوار يمارس هوايته في تقديم البرامج، وأصبح لاعب الكرة الذي كان لا يجيد سوى الهرولة خلف المهاجمين طيلة المباراة يدير منصة تليفزيونية كبيرة، يحاورون ويناقشون ويجادلون ويقدمون الآراء ويعطون الحلول ويحددون الأخطاء، ومؤخرًا منهم من يحدد لنا ما هو حلال وما هو حرام، لا تقنعنى أن كل شخص من هولاء هو بالفعل جدير بهذه المكانة ولا بهذه الوظيفة، ولكن إلى جانب الواسطة والمعارف وفترة اللامعايير التي نعيشها في جميع مجالاتنا حاليًا وليست في المجال الإعلامي فقط، جاء ذلك انعاكسًا وسطوعًا لعصر النحتاية.

الإعلام أو الصناعة التليفزيونية هي مهنة لها قواعدها ومعاييرها وأسسها ومتطلباتها، مثلها مثل أي صناعة أخرى، لكنها أصبحت تنكسر وتنحسر وتهترئ تحت سطوة «النحتاية»، فأصبحت مهنة اللامعايير واللاإطار واللاحاكم أو ضابط، فأصبحت المنصة التليفزيونية هي منصة «النحتاية»، وأصبحت طريقة الاختيار ترتكز على «من سنعطي له تلك النحتاية»، دون الاستناد إلى معايير أو مهارة أو قيمة مهنية وعقلية حقيقية، الأزمة أن صناع التليفزيون الحقيقيين يعرفون ذلك جيدًا ويعرفون أن معظم هؤلاء ليس لهم أي علاقة بالمناخ الإعلامي ولا بالبيئة الإعلامية ولا بصناعة البرامج ولا بما يجب أن تكون عليه أو تقدمه المنصات التليفزيونية، ولكن مرض اللامعيار هو ما دفع بهم إلى هذا الطريق الذي يعلمون جيدًا أنه طريق لا يمت للصناعة الإعلامية بصلة.

في الفترة الأخيرة، ارتفعت حدة الهجوم على الصناعة الإعلامية، سواء من رجال الدولة أو المسؤولين أو المواطن العادي، وهذا حقهم، هم لا يرون إعلامًا، لا يرون أن هذا هو ما يجب أن يكون عليه الإعلام ولا هذه هي وطيفته، ولا هذه المادة هي التي يجب أن يقدمها، وهذا حقيقي.

فلا تعطِ مريضًا بالقلب إلى مهندس كهرباء وتنتظر منه أنه يشفيه، ولا تعطِ جريمة قتل إلى طباخ محترف وتنتظر منه أن يحقق فيها ويصل إلى الجاني، ولا تعطِ قمرًا صناعيًا إلى راقصة وتنتظر منها أن تُطلقه، هكذا هو الإعلام.. لا تعط لاعب كرة معتزلًا أو مغنيًا في الأفراح والمناسبات أو «مشخصاتي» منصة إعلامية وتنتظر منه أن يعطيك إعلامًا حقيقيًا يحمل معنى وقيمة.

كذلك لا يمكن أن تعطي صحفيًا جورنالجيًا شاشة تليفزيونية وتنتظر منه أنه يصنع محتوى قويًا يجذب المشاهد في مهنة تعتمد في صياغتها الأولى على عنصر الجذب والإبهار.

إذا كنا نبحث عن إعلام حقيقي فيجب أولًا أن نعطي هذه المنصة لصناعها الحقيقيين، لمن درسوها أو مارسوها وتدربوا عليها، ليس لمن يحمل وجهًا جميلًا ولا معرفة بصاحب القناة ولا شعبية في مجال أو في مهنة أخرى.

الأزمة الإعلامية الحالية هي أزمة محتوى وأزمة تناول وكيفية معالجة للمواضيع والأخبار، ليست أزمة جذب أو انتشار، لذا ستظل الأزمة قائمة طالما لم تذهب هذه المهنة إلى صناعها الحقيقيين، خريجي الإعلام والمتدربين عليها، لكن كلما استمرت الصناعة تتعرض لأزمة اختيار بلا معايير واستمرت مهنة السبوبة والنحاتية، فلا تنتظر منها أن تقدم لك محتوى إعلاميًا حقيقيًا.

عندما يصبح صانع الإعلام يأمل في صنع مجد مبني على بضعة قروش، عندما يستمر المسؤولون عن الصناعة الإعلامية معتقدين أن أزمة الإعلام ليست أزمة قيمة ومحتوى ولكنها أزمة جذب وانتشار، وعندما ينظر إلى المهنة على أنها مهنة تجلب بعض النقود وتحقق الشهرة والنجومية، يصبح الإعلام في مأزق حقيقي وتظل الصناعة التليفزيونة أسيرة الفشل والانهيار، صناعة مقتولة غير قادرة على ممارسة دورها وتقديم المحتوي، وتصبح السبوبة هي المبدأ.. ويصبح الإعلام صفرًا.

لمطالعة الخبر على المصرى اليوم